تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الرباطات كثيرة في مراحل المسافرين، ويذكر الإصطخري أنه كان في بلاد ما وراء النهر ما يزيد على عشرة آلاف رباط، في كثير منها إذا نزل النازل قدم له طعامه، وعلف دابته إن احتاج لذلك.

وقد زودت هذه الرباطات بالماء لحاجة المسافر إليه، وعدة إقامة الرباطات وتزويدها من الأعمال الخيرية التي يقف عليها المسلمون بعض أوقافهم.

وفي بعض المراحل تقوم الأديار مقام الرباطات، فينزلها بعض الراحلين، ويجدون فيها راحتهم ومطالبهم، وأكثر ما استغلها الأدباء لمرحهم وشغفهم بخمورها المعتقة، وولوعهم بالجمال.

كل هذا جعل المملكة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها كأنها وحدة مهما تعدد ملوكها وحكوماتها، فالعالم والأديب والفنان والتاجر لا يعبئون بالحدود التي ترسمها السياسة، ويرون أن اللغة والدين تكسر حواجز السياسة.

وكان لهذا أثره الكبير في العلم والأدب، ومن أوضح هذه الآثار ضعف الشخصية الإقليمية، فليس علم مصر وأدبها متميزا كثيرا عن علم العراق وأدبه، ولا عن علم خراسان وما وراء النهر والسند وأدبها، كلها متقاربة؛ لأن رحلة العلماء وشدة الاتصال قربت بين الفروق، وما يظهر امتياز في ناحية إلا استمدته الناحية الأخرى وحذقته واستغلته؛ فالفقه المالكي في المدينة، والفقه الحنفي في العراق يؤلف بينهما أمثال محمد بن إدريس الشافعي، وأسد بن الفرات المالكي، والنحو العراقي يحمله إلى مصر وإلى المغرب الراحلون إلى العراق والمتعلمون على أساتذته، والعائدون بعد ذلك منه، والشعراء على أبواب الملوك والأمراء يتنقلون من بلاط إلى بلاط، فيوحدون مناهج النظم، والوراقون وتجار الكتب يحملون كتاب «الأغاني» و«رسائل إخوان الصفا» من العراق إلى الأندلس، ومكاتب مصر ومكاتب الأندلس، والقيروان، والمهدية، وفاس، وخراسان، وغزنة تضم في خزائنها أهم ما أنتجه العالم الإسلامي بقطع النظر عن إقليمه.

بل والعلماء أنفسهم نرى شطرا من عمرهم قضوه في بلد وشطرا في بلد آخر: شطر في مصر وشطر في الشام، أو شطر في الشام وشطر في العراق، أو شطر في العراق وشطر في فارس، وهكذا حتى ليصعب في كثير من الأحيان عد العالم مصريا أو شاميا، وعراقيا أم فارسيا.

ومؤلفو التراجم أدركوا هذا المعنى فجمع أكثرهم علماء العالم الإسلامي على اعتبار أنهم نتاج مملكة واحدة كقطر واحد.

نعم توجد شخصية لنتاج كل إقليم كالأدب المصري والشامي والعراقي والفارسي، والطب المصري والشامي والعراقي والفارسي وهكذا، ولكنها شخصية غامضة خفية لا ترى إلا بالمنظار الدقيق والبحث الطويل. وأكثر ما يظهر هذا في منبع الظاهرة العلمية والأدبية حين تظهر، فظهورها في إقليم خاضع ولا بد لمؤثرات اجتماعية في هذا الإقليم، كظهور المقامات في إقليم فارس والموشحات بالأندلس، والأسلوب المسجوع المحلى بالبديع في الري وما حولها، والرسائل الشاملة لفروع الفلسفة - كرسائل إخوان الصفا - في البصرة؛ كل ذلك له علل اجتماعية وتاريخية وإقليمية مرتبطة بهذه الظواهر ارتباط السبب بالمسبب، ولكن لا تلبث بعد ظهورها أن تقلد في سائر الأمصار، ولو لم تكن العلة الأصلية موجودة، وتقوم علة التقليد مقام علة الابتكار، وتختفي الشخصية الأولى وراء المظهر العام للوحدة المشتركة.

وبعد؛ فهذا عرض سريع للحركة العلمية والأدبية، يتلوه - إن شاء الله - البحث التفصيلي في تاريخ كل علم ومدى تقدمه، ومركز هذا التقدم، وهذا هو موضوع الجزء الثاني من «ظهر الإسلام» أعاننا الله على إتمامه.

| هوامش

| الجزء الثاني

| مقدمة

بقلم أحمد أمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

هذا هو الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وهو على نمط «ضحى الإسلام»، يبحث في تاريخ العلوم والآداب والفنون في القرن الرابع الهجري. وإذا كان في الأجل متسع: ألفت الجزء الثالث في الأندلس، ثم الجزء الرابع في العقائد. ففي هذا العصر نضجت الحياة العلمية في الأندلس، وحق لها أن تسجل. ولعل القارئ يأخذ علينا أننا لم نستخدم النصوص كما استخدمناها في «فجر الإسلام وضحاه»، فقد اعتدنا أن ننقل النص بحروفه، ثم نستنتج منه ما أمكننا الاستنتاج. أما في هذا الجزء، فقد هضمنا ما قرأنا، ثم حكينا ما خلص لنا من غير ذكر نص؛ إلا في القليل النادر، واكتفينا بذكر المراجع عقب كل باب.

ظهر الإسلام · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١١٨