فكان في مكة أمثال أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي المكي أحد شيوخ البخاري الذين أخذ عنهم في مكة. قال يعقوب بن سفيان فيه: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. مات بمكة سنة 219ه، وكثر تلاميذه في مكة ممن رووا عنه وأخذوا علمه.
كما نبغ بالمدينة أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي، أحد كبار علماء المدينة ومجتهديها، مات سنة 236ه. وتتابع بعده تلاميذه. ويطول بنا القول لو عددنا المحدثين المكيين والمدنيين في القرن الثالث والرابع الهجري فهم كثير، منهم من كان من الحجاز نفسه ومنهم الراحل إليه المتوطن فيه.
ثم انتشر في اليمن فقه الزيدية، وهم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم في الأصول قريب من مذهب الاعتزال، فهم يقولون بالعدل والتوحيد كالمعتزلة، وبوجوب الخروج على الظلمة كالخوارج، ولهم في الفقه اجتهاد يخالفون في بعض الأحكام المذاهب الأربعة، وقد اشتهر منهم أئمة في اليمن، اجتهدوا على أصول مذهبهم كالإمام يحيى بن الحسين الزاهد الرسي المتوفى سنة 298ه، والإمام الناصر للحق، ألف كتبا على مذهب الزيدية والقاسم بن إبراهيم العلوي صاحب صعدة المتوفى سنة 280ه، وأبو الحسن الصليحي ملك اليمن سنة 455ه، وكان فقيها زيديا كبيرا، وقتل سنة 473ه. وعلى الجملة فهم من قديم كان كثيرا ما يجمع ملكهم بين تولي أمور الدولة والاجتهاد الديني على المذهب الزيدي.
وقد بقيت الأندلس، وسنفرد لها جزءا خاصا بها إن شاء الله.
وقد كان من أهم مظاهر الحركة العلمية التي تدعو إلى الإعجاب في هذا العصر الرحلات، فقد أصبح تقليدا للعالم أن يرحل ويلاقي العلماء، ويأخذ منهم ويروي عنهم مع عناء الأسفار وفقر العلماء غالبا.
وقد بلغ الغاية في ذلك المحدثون، فقد كانوا حركة دائمة يرحلون من أقصى الأرض إلى أقصاها لطلب الحديث وجمعه. وما يشتهر عالم في بلدة بالحديث وضبطه وجمعه حتى يرحل إليه العلماء من كل صوب. خذ لذلك - مثلا - محمد بن إسماعيل البخاري يرحل من بخارى إلى مدن خراسان، إلى الجبال إلى العراق ومدنه كلها، إلى الحجاز إلى الشام إلى مصر، وفي كل مدينة يتحرى حالة علمائها، ويأخذ عمن وثق بهم، وليس البخاري إلا مثلا واحدا من أمثلة كثيرة لا تحصى، فقل أن تجد محدثا كبيرا إلا رحل هذه الرحلات وأمثالها حتى قد يقطع المحدث المسافات الواسعة لرواية حديث واحد وضبطه. وتقرأ تراجم العلماء في كتاب ك «تاريخ بغداد»، فيأخذك العجب من نشاط العلماء ورحلاتهم واحتقارهم لمشاق السفر ومتاعب الفقر في سبيل العلم، ومعرفتهم كل مصر وكل بلدة ومن فيها من العلماء وما فيها من حديث.
وليس الأمر مقصورا على المحدثين؛ فهكذا كان الشأن في كل علم وكل فن؛ فأبو جعفر النحاس يذهب من مصر إلى العراق ليأخذ النحو عن أهلها، وابن بابشاذ المصري يذهب على بغداد في تجارة الجواهر، ويأخذ النحو عن رجالها، ومن بالقيروان يذهب إلى المدينة ليأخذ عن تلاميذ مالك، وإلى العراق ليأخذ عن تلاميذ محمد بن الحسن، ويسمع الأدباء والشعراء بسيف الدولة فيكون في بلاطه الخوارزمي وأبو علي الفارسي وابن جني الموصلي، والمتنبي يوما بحلب ويوما بمصر ويوما بالعراق ويوما بشيراز، وابن بطلان الطبيب البغدادي يناظر ابن رضوان المصري، فإذا طالت المناظرة رحل إليه من بغداد إلى مصر.
وإذا فتحت بلدة فسرعان ما يذهب إليها العلماء في الفقه والأدب يعلمون أهلها الدين واللغة والأدب، حتى تصبح بعد قليل مركزا من مراكز الإنتاج العلمي، كالذي رأينا في صقلية، تفتح فيرجل إليها العلماء وتدوي فيها حركة العلم، وبعد قليل نراها مركز إنتاج علمي وأدبي عجيب.
والحكومات من جانبها تنشئ الطرق، وتقيم الرباطات والمخافر لحاجتها الشديدة إلى تنظيم البريد، وتسهيل التجارة؛ فكان العلماء في رحلاتهم ينتفعون بهذه المزايا، كما ينتهزون الفرص لخروج القوافل إلى الحج، فينتظمون في سلك الحجاج، ويرحلون إلى البلدان التي يريدونها.