وهكذا تتابعت حوادث خروج العلويين، وثورات الحجاز، وفي كل مرة ينكل العباسيون بهم وتزيد كراهيتهم وقبض يدهم عنهم.
فأخذت جزيرة العرب يقل شأنها شيئا فشيئا بغلبة العنصر الفارسي، وإبعاد العنصر العربي وقلة المدد الذي يرسل إلى الجزيرة.
ولما جاء المعتصم وتغلب العنصر التركي كان الأمر أسوأ، فقد كتب إلى عماله في الأطراف بإسقاط من في دواوينهم من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعلوا، وانحط شأن العرب من ذلك الحين.
واستمر هذا العبث بالجزيرة؛ ففي خلافة المستعين أحمد بن المعتصم تغلب إسماعيل بن يوسف من أولاد علي بن أبي طالب على مكة، فهرب عاملها من قبل الخليفة، وقتل إسماعيل هذا الجند وجماعة من أهل مكة ونهب منزل العامل، ومنازل أصحاب السلطان، وأخذ من الناس نحو مائتي ألف دينار وأخذ كسوة الكعبة وما في الكعبة وخزائنها من الأموال، ونهبت مكة وأحرق بعضها، ثم خرج منها إلى المدينة فتوارى عنه عاملها، ثم رجع إلى مكة فحصرها حتى مات أهلها جوعا وعطشا، وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء، ثم سار إلى جدة فحبس عن الناس الطعام، وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى الموقف بعرفة فأفسد فيه كثيرا، وكان ذلك سنة 251ه.
1
وجاء القرامطة فأفسدوا في البلاد، وزحفوا على مكة واستولوا عليها وارتكبوا أشنع الفظائع، ونهبوا الحجاج ومنعوهم من زيارة البيت الحرام. وفي سنة 312ه نكلوا بالحجاج أعظم تنكيل، ونكبوا العرب أعظم نكبة شهدتها الجزيرة، وكان عدد الذين قتلهم القرامطة في تلك السنة من الحجاج، وفي بيت الله وشوارع مكة وضواحيها، ثلاثة آلاف، غير الذين ماتوا جوعا، ونهبوا من الأموال آلاف الآلاف.
وفي سنة 314ه وسنة 315ه وسنة 316ه لم يحج إلى مكة من العراق أحد للخوف من القرامطة،
2
وكان أبو طاهر القرمطي يقول:
أنا بالله وبالله أنا
يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ونزعوا الحجر الأسود، وبقي في إحدى زوايا «الإحساء» إلى سنة 339ه، حيث رده القرامطة بأمر المنصور الفاطمي - والخلافة في بغداد عاجزة عن إخضاعهم.
كل هذه الأحداث وأمثالها أضعفت شأن جزيرة العرب، وجعلتها في شبه عزلة وأخرتها ماديا وعلميا، حتى إن المقدسي لما زارها في القرن الرابع وصفها بالفقر وقلة العلم، ووصف مذاهبهم الدينية فقال: «إن مذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء سنة، ونواحي صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة «خوارج» غالبة، وهجر وصعدة شيعة ... وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة ... والغالب على صنعاء وصعدة أصحاب أبي حنيفة، والجوامع في أيديهم، وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان ... والعمل بهجر على مذهب القرامطة، وبعمان داودية «على مذهب أهل الظاهر» لهم مجالس.
ووصف لغتهم فقال: وأهل هذا الإقليم لغتهم العربية إلا بصحار، فإن نداءهم وكلامهم بالفارسية، وأكثر أهل عدن وجدة فرس ... وأهل عدن يقولون لرجليه: رجلينه، ويديه: يدينه، وقس عليه ... وجمع لغات العرب موجودة في بوادي هذه الجزيرة، إلا أن أصح لغة بها لغة هذيل، ثم النجديين، ثم بقية الحجاز إلا الأحقاف فإن لسانهم وحش.»
3
ومع هذا فقد كان في الحجاز حركة دينية في الفقه والحديث لا بأس بها بفضل تتابع المحدثين الذين كانوا يروون أقوال النبي وأعماله محدثا عن محدث، وقد كان هذا الإقليم أخصب الأقاليم في هذا الموضوع فظل علمه يتوارث، ثم كانت هذه البلاد المقدسة تهوي إليها أفئدة كثير من العلماء يحصلون العلم ويفيدونه ويعتزون بجوار الحرم المكي أو قبر الرسول، ويفضلون الإقامة فيهما فيكونون مصدر علم. وقد رأينا في تراجم كثير من المحدثين أن كان في برنامجهم الرحلة إلى الحجاز ورواية الحديث عن ساكنيه، وإطالتهم الإقامة فيه، وكان للإمام مالك وتلاميذه من بعده فضل كبير في الحركة الفقهية.