تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما فتحوا صقلية فسرعان ما نشروا دينهم وعلمهم ولغتهم، بل إن قائد الجيش في الفتح كان هو أسد بن الفرات العالم المالكي المشهور ومعه جماعة من وجوه أهل العلم في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وما زال يفتح في قلاعها حتى أصيب بجروح بالغة مات متأثرا بها، فأتم خلفاؤه الفتح. ثم «صار أكثر أهلها مسلمين، وبنوا بها الجوامع والمساجد»،

30

وانتشر بها العلم، وأصبحنا نسمع عن كثير من العلماء ينسبون إليها؛ فيقولون: فلان الصقلي. يرحل إليها علماء المسلمون يعلمون الدين واللغة، والأدباء يشعرون، والخليعون يقولون في الخمر ورهبان الأديار وبناتها. فتجد المقريزي - مثلا - يقول: محمد بن الحسن بن علي الكركنتي الفقيه المالكي تفقه بصقلية وإفريقية، وقدم الإسكندرية - وكركنت مدينة بصقلية.

والعماد الأصفهاني يعقد بابا طويلا في القسم الثاني من الجزء الحادي عشر في ذكر محاسن فضلاء جزيرة صقلية، ويروي فيه شعرا صقليا بعضه على أوزان جديدة، كقول أبي الحسن بن أبي البشر في راقصة:

وغزال مشنف

قد رثى لي بعد بعدي

لما رأى ما لقيت

مثل روض مفوف

لا أبالي وهو عندي

في حبه إذا ضنيت

وجهه البدر طالعا

تاه لما حاز ودي

فإنني قد سقيت ... إلخ.

ولا ننسى القائد الكبير جوهر الصقلي فاتح مصر، وباني الأزهر، ومدوخ المغرب كله لمولاه المعز، وهو غلام رومي الأصل من مواليد صقلية، صار مولى للمنصور ثم للمعز، وكان من أكفأ القواد الذين عرفهم التاريخ. بل نجد من النحاة محمد بن خراسان الصقلي، كان مولى لبني الأغلب، ورحل إلى مصر، وتعلم النحو على أبي جعفر النحاس، وروى عنه مصنفاته، وعاد إلى صقلية يدرس النحو، ومات بها سنة 386ه عن ست وسبعين سنة.

31

ومحمد بن علي بن الحسن بن عبد البر الصقلي التميمي اللغوي، ولد بصقلية، ورحل عنها في طلب العلم ثم عاد إليها، وكان موجودا سنة 450ه، وهو أستاذ ابن القطاع الصقلي .

وفي العصر المتأخر عن عصرنا هذا أخرجت صقلية ابن حمديس الصقلي الشاعر المشهور، والإمام المازري المحدث الكبير صاحب كتاب «المعلم بفوائد كتاب مسلم»، وهو منسوب إلى مازر

Mazzard

بلدة بصقلية، والإدريسي الجغرافي الشهير، وابن ظفر الأديب مؤلف كتاب «سلوان المطاع»، وابن القطاع أحد أئمة الأدب واللغة والنحو والعروض، ومؤلف «الدرة الخطيرة»، و«المختار من شعراء الجزيرة» ... إلخ.

| هوامش

الفصل السادس

| جزيرة العرب

أسلفنا في «فجر الإسلام» ما كان في الحجاز من علم وفن وأسباب ذلك.

والحجاز قطر قلما يعتمد على نفسه في العيش لقلة زرعه ونتاجه. فلما كان موطن الخلافة أيام الخلفاء الراشدين كانت تأتيه الأرزاق من البلاد المفتوحة كمصر والعراق، ولما انتقلت الخلافة إلى دمشق في العهد الأموي ظلت الخيرات تنهال على الحجاز لكثرة الفتوح وكثرة الغنائم، وكانت عصبية الأمويين عصبية عربية تقر بالسيادة للعرب، فكانت ترعى جزيرة العرب وسكانها، وكان الفاتحون من العرب، وكثير من غنمائهم يتسرب إلى بلادهم، ولهم ديوان تقيد فيه أسماؤهم وعطاياهم؛ لذلك سعدت الجزيرة وأنتجت علما وفنا.

فلما جاءت الدولة العباسية تغير الوضع فأصبح زمام الأمور أكثره في يد الفرس، والعمال أكثرهم من الفرس.

وزاد الأمر سوءا في الحجاز خروج العلويين به والتفاف الناس حولهم، وإرسال الخلفاء العباسيين من ينكل بهم؛ ففي عهد المنصور خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومعه أشراف بني هاشم وأعيان «المدينة» فعزل عاملها من قبل المنصور، وولى عليها عاملا من قبله، فبعث إليه المنصور جيشا كبيرا كبيرا قاتله وقتله، وقتل كثيرا ممن معه.

وفي أيام الهادي خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، واجتمع حوله آل أبي طالب وكثير غيرهم، وأرسل الهادي جيشا فكانت وقعة «فخ» بين مكة والمدينة، ثم قتل الحسين وكثير ممن معه.

ظهر الإسلام · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١١٥