26
مات سنة 413ه.
وكتابه «زهر الآداب» يدل على ذوق في الأدب رقيق، واطلاع واسع على ما أنتجه الأدباء من الجمل الروائع، والرسائل البليغة.
وله ابن خالة هو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني، كان عالما بالقراءات، وشاعرا ظريفا، وهو صاحب القصيدة المشهورة:
يا ليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعده
رقد السمار فأرقه
أسف للبين يردده
وقد حازت شهرة كبيرة، وعارضها كثير من الشعراء في مختلف الأمصار إلى عصرنا هذا.
وظهرت في المغرب حركة جيدة في النقد الأدبي، وردت أول الأمر نتفا في كتب الأدب عندهم كقول عبد الكريم النهشلي: «قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت ما لا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد ألا تخرج من حسن الاستواء وجد الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرا في غيره، كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم ... إلخ.»
ومثل قول إبراهيم الحصري: «الشعر مطبوع ومصنوع: فالمطبوع الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المثال، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة ... يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته ... وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل بتنقيح المباني دون إصلاح المعاني، يعفي آثار الصنعة، ويطفي أنوار الصبغة، ويخرجه إلى فساد التعسف، وقبح التكلف ... وأحسن ما أجري إليه، وأعول عليه هو التوسط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين من الطبع والصنعة.»
ثم ارتقى هذا حتى صار موضوعا قائما بنفسه، وتوجت هذه الحركة بكتاب «العمدة» لابن رشيق، و«أعلام الكلام» لابن شرف،
27
وهما من خير الكتب في النقد الأدبي.
وقد نقل ابن رشيق في كتابه «العمدة» فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين - كما فعل صاحب الموازنة والوساطة - إلى نقد للشعر عامة، وقد قال فيه ابن خلدون: «وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله.»
وبعد العمدة ألف ابن رشيق كتابه «قراضة الذهب»، وأكثر ما يتعرض فيه للسرقات الشعرية، ومتى تجوز، ومتى لا تجوز، وأين تحسن وأين لا تحسن،
28
كما وضع ابن شرف كتابه «أعلام الكلام»، وموضوعه مقامة طويلة كمقامات الحرير، تعرض بطلها لمشهوري الشعراء من المتقدمين والمحدثين يصفه في قول قصير، ويبين مزاياه وعيوبه في إيجاز.
29
وقد كان كلاهما من القيروان، وكانا من ندماء المعز بن باديس وشعرائه وجلسائه، ولما أغار الهلالية القادمون من مصر على القيروان فرا وقالا القصائد في رثاء القيروان، وذهب ابن رشيق إلى صقلية حيث مات بها سنة 453ه، وذهب ابن شرف على الأندلس ومات بها سنة 460ه.
وقد كانا صديقين ثم دبت بينهما الخصومة فتساجلا في الأدب كتلك المساجلة التي كانت بين الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.
وعجيب أمر المسلمين في هذه العصور، فما استقر فرارهم في المغرب حتى أنشئوا أسطولا قويا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية وسائر الجزائر حولها، وكان فتح صقلية على يد الأغالبة، وقد كان بها ثلاثمائة ونيف وعشرون قلعة، ولكنها لم تثبت أمام قوة المسلمين.
قال ابن خلدون: «كان فتح صقلية أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا ... ثم قال: وكان المسلمون لعهد الدولة الإسلامية قد غلبوا على بحر الروم «البحر الأبيض» من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم؛ فكانت لهم المقامات المعلومات من الفتح والغنائم، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل مثل: ميورقة ومنورقة وسردانية وصقلية ومالطة وأقريطش وقبرص ... والمسلمون خلال ذلك قد تغلبوا على الأكثر من لجة هذا البحر، وسارت أساطيلهم فيه جائية وذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها ... وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه من سواحل الإفرنجة والصقالبة لا يعدونها - وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد بفريسته.»