فرائح فارق الأحباب أو غاد
19
أما الدولة العبيدية فكان فيها الشعر أرقى وأضخم للأسباب التي ذكرناها عند الكلام في الأدب الفاطمي في مصر، وحسبها أن أنجبت في الشعر ابن هانئ الأندلسي، وقد نسب إلى الأندلس لإقامته هناك بعض الوقت وإلا فهو إفريقي من قرية من قرى المهدية، وكان في شعره للمعز، كما كان أبو الطيب لسيف الدولة يصف حروبه وأسطوله، ويدون وقائعه، وينشر دعوته، ويمجد خلاله، وقد تقدم ذكر طرف عنه، وكان كذلك حوله شعراء ابتلعهم كما ابتلع المتنبي من حوله، فكان في بلاط المعز بالمهدية من الشعراء أبو الحسن علي بن محمد بن الأيادي التونسي، وقد كان شاعرا كبيرا اتصل بالفاطميين أيام القائم والمنصور والمعز. وكذلك علي بن عبد الله التونسي، ومقداد بن الحسن الكتامي، وابن هانئ نفسه يفخر على هؤلاء الشعراء وأمثالهم، ويستصغر منزلتهم منه فيقول:
أرى شعراء الملك تنحت جانبي
وتنبو عن الليث المخاض الأوارك
20
تخب إلى ميدان سبقي بطاؤها
وتلك الظنون الكاذبات الأوافك
رأتني حماما فاقشعرت جلودها
وإني زعيم أن تلين العرائك
تسيء قوافيها وجودك محسن
وتنشد إرنانا ومجدك ضاحك
21
وتجدى وأكدي والمناديح جمة
فمالي غني البال وهي الصعالك
22
أبت لي سبيل القوم في الشعر همة
طموح ونفس للدنية فارك
23
وفي الدولة الصنهاجية كان العمران قد استحكم، والصلة بين المغرب وبين الأندلس ومصر والعالم الإسلامي كله قد تمكنت، والحضارة قد ازدهرت.
قال ابن خلدون: «كان ملكهم أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه.» فرقيت العلوم والفنون، ومنها الأدب.
ومن أشهر ملوكهم المعز بن باديس قالوا: «إنه اجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم يجتمع إلا بباب الصاحب بن عباد.» وذكر أكثرهم ابن رشيق في كتابه «أنموذج الزمان في شعراء قيروان».
وكان من الأمراء الصنهاجيين شعراء مجيدون من أشهرهم تميم بن المعز بن باديس - وهو غير تميم بن المعز المصري - ملك إفريقية وما والاها، وكان محبا للعلماء والشعراء مقربا لهم، ومن شعره:
إن نظرت مقلتي لمقلتها
تعلم مما أريد نجواه
كأنها في الفؤاد ناظرة
تكشف أسراره وفحواه
وكان من شعرائه الحسن بن رشيق وغيره.
وقد نبغ في هذه الدولة كثير من الشعراء والأدباء مثل عبد الكريم النهشلي، وكان شاعرا أديبا ناقدا، عارفا باللغة خبيرا بأيام العرب وأشعارها. مات سنة 405ه، وقد أكثر ابن رشيق من النقل عنه في العمدة، وذكر أن له كتابا في الشعر.
ومثل علي بن أبي الرجال رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، واشتهر بالكرم وتشجيع الأدب، وهو الذي ربى المعز بن باديس وحبب إليه الأدب، وهو الذي ألف له ابن رشيق كتاب «العمدة»، وألف له ابن شرف «رسائل الانتقاد». مات سنة 425ه.
ومثل أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني كان إماما في اللغة، ألف كتاب «الجامع» في اللغة، وهو يقارب «التهذيب» للأزهري، وهو شيخ ابن رشيق، وهو ينقل في كتابه العمدة أقواله وما جرى له في مجلسه من أدب، وكان يطرح على تلاميذه عويصات المسائل ويكلفهم حلها. مات سنة 412ه.
24
وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل الخشني الضرير، وهو كذلك من شيوخ ابن رشيق في الأدب. قال عنه: «كان مشهورا بالنحو واللغة جدا، مفتقرا إليه فيهما، بصيرا بغيرهما من العلوم. وكان شاعرا مطبوعا سلك طريقة أبي العتاهية في سهولة الطبع ولطف التركيب، ولا غناء لأحد من الشعراء الحذاق عن العرض عليه والجلوس بين يديه. مات سنة 406ه، وقد زاد على السبعين.»
25
ومن كبار المؤلفين في الأدب إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو صاحب كتاب «زهر الآداب» وكتاب «المصون في سر الهوى المكنون»؛ قال فيه ابن رشيق: «كان شبان القيروان يجتمعون عنده ويأخذون عنه، ورؤس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تأليفاته، وانثالت عليه الصلات من الجهات وله ديوان شعر.»