تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما تغلبت الدولة الفاطمية نشرت فقهها الشيعي ودعوتها الشيعية في المغرب، كما نشرتهما بعد في مصر، واضطهدت الفقهاء السنيين، وقد عرضوا التشيع على كثيرين منهم فأبوا فعذبوهم «وقد قتلوا في وقعة أبي يزيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان».

17

على الجملة فقد كانت الحركة الدينية الفقهية في المغرب حركة قوية نشيطة، أكثر ما خدمت فقه الإمام مالك. •••

والعلم النظري أو الفلسفة - وإن لم ينم كثيرا في بلاد المغرب - لم يخل ممن عكف عليه، فيذكر ابن أبي أصيبعة أن إسحاق بن عمران، كان بغدادي الأصل، مسلم النحلة، ودخل إفريقية في دولة زيادة الله بن الأغلب، وكان قد استجلبه؛ «وإنما دعاه لحاجته على الطب، والطب كان دائما مقرونا بالفلسفة»، وبه ظهر الطب بالمغرب، وعرفت الفلسفة، وكان طبيبا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية، بصيرا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه، وجودة قريحته، استوطن القيروان حينا. وقد ألف كتبا كثيرة كلها في الطب. وقد تتلمذ له في القيروان إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وأصله من مصر. ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران، وكان إسحاق بن سليمان مع فضله في صناعة الطب بصيرا بالمنطق، متصرفا في ضروب المعارف، وعمر عمرا طويلا إلى أن نيف على مائة سنة، وقد ألف في الطب والحكمة والمنطق، وقد خدم الأغالبة والفاطميين ومات نحو سنة 320ه.

وأنجب هؤلاء الوافدون من الأطباء أطباء من أهل البلاد نفسها، مثل أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن الجزار من أهل القيروان، وقد اشتهر بالطب وخدمة العامة به. قالوا: وكان عنده نحو خمسة وعشرين قنطارا من كتب طبية وغيرها، وكان إلى اشتغاله بالطب وتأليفه فيه مؤلفا في التاريخ، فألف في علماء زمانه، وفي أخبار الدولة الفاطمية ... إلخ. •••

ثم كان حظهم من الأدب كبيرا، وقد مر المغرب بالدور الذي مرت به مصر عند اختلاط العرب بسكان البلاد، من وقوف الشعر إلا القليل الضعيف حتى إذا زالت روعة الفتح وكثر دخول العرب واتصالهم بالبربر، وانتشرت اللغة العربية، ووجد جيل نشأ في المربى العربي أخذ الشعر يجود، وربما كان خير موطن له دولة الأغالبة، ودولة الفاطميين، ودولة الصنهاجيين «بني زيري»؛ ففي دولة الأغالبة كان كثير من أمرائهم أدباء؛ فإبراهيم بن الأغلب نفسه كان شاعرا، فمن شعره يفخر بانتصاره:

ما سار عزمي إلى قوم وإن كثروا

إلا رمى شعبهم بالحزم فانصدعا

ولا أقول إذا ما الأمر نازلني:

يا ليته كان مصروفا وقد وقعا

حتى أجليه قهرا بمعتزم

18

كما يجلي الدجى بدر إذا طلعا

قوما قتلت وقوما قد نفيتهم

ساموا الخلاف بأرض الغرب والبدعا

كلا جزيتهم صدعا بصدعهم

وكل ذي عمل يجزى بما صنعا

وكذلك حفيده أبو العباس بن أبي عقال بن إبراهيم، وهو الذي ولى سحنونا الفقيه قيادة الجيش الذي فتح صقلية، ومن شعره يقول في الفخر أيضا:

أنا الملك الذي أسمو بنفسي

فأبلغ بالسمو بها السحابا •••

أظل عشريتي بجناح عزي

وأمنحها الكرامة والثوابا

وأصطنع الرجال وأصطفيهم

وأغفر للمسيء إذا أنابا •••

أنا ابن الحرب ربتني وليدا

إلى أن صرت ممتلئا شبابا

لعمر أبيك ما إن عبت قومي

وما أخشى بقومي أن أعابا

بنيت لهم مكارم باقيات

إذا ما صارت الدنيا خرابا

وقد اشتهر من شعراء هذه الدولة بكر بن حماد الزناتي، وقد رحل إلى المشرق فدخل البصرة والكوفة وبغداد، ولقي بعض كبار شعرائها كدعبل الخزاعي وأبي تمام، وعاد إلى القيروان، وغلب على شعره الوعظ والزهد كقوله:

قف بالقبور فناد الهامدين بها

من أعظم بليت فيها وأجساد •••

أين البقاء وهذا الموت يطلبنا

هيهات هيهات يا بكر بن حماد!

بينا ترى المرء في لهو وفي لعب

حتى تراه على نعش وأعواد •••

فكلنا واقف منها على سفر

وكلنا ظاعن يحدو به الحادي

في كل يوم ترى نعشا نشيعه

ظهر الإسلام · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١١٢