وبنى على المرسى برجين بينهما سلسلة من حديد، فإذا أريد إدخال سفينة أرسل الحراس أحد طرفي السلسلة حتى تدخل ثم يمدونها كما كانت، ولما أتم ذلك قال المهدي: «اليوم أمنت على الفاطميات.» - يعني بناته - وارتحل إليها وأقام بها، ثم عمر فيها الدكاكين، ورتب فيها أرباب المهن، كل طائفة في سوق، فنقلوا إليها أموالهم ... وينسب إلى المهدية جماعة وافرة من العلماء في كل فن،
6
وكان من إحدى قرى المهدية هانئ أبو ابن هانئ الأندلسي، وفي المهدية هذه ولد المعز فاتح مصر، ومؤسس القاهرة.
وتاهرت؛ بلد كبير من أعمال الجزائر قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، ينتعش فيها الغريب، ويستطيبها اللبيب، رشيق الأسواق، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف
7 ... وكانت قديما عش الإباضية، وقد أخرجت كثيرا من حفاظ الحديث، وثقات المحدثين.
8
وسجلماسة؛ قصبة جليلة على نهر بمعزل عنها، شديدة الحر والبرد جميعا، صحيحة الهواء، كثيرة التمور والأعناب والفواكه والحبوب، كثيرة الغرباء ... وهم أهل سنة ... بها علماء وعقلاء
9 ... ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف؛ فهن يعملن منه كل حسن عجيب من الأزر تفوق القصب الذي بمصر ... وأهلها من أغنى الناس وأكثرهم مالا؛ لأنها على طريق من يريد «غابة» التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخولها.
10
وفاس؛ بلدان جليلان كبيران، كل واحد منهما محصن، بينهما واد جرار عليه بساتين وأرحية، قد استولى على أحدهما الفاطمي، وعلى الآخر الأموي، وكم ثم من حروب وقتال وغلبة، كثير الخيرات، قليل العلماء، كثير الغوغاء.
11
وقال أبو عبيد البكري: «مدينة فاس مدينتان: عدوة القرويين، وعدوة الأندلسيين، وعلى باب دار الرجل، رحاه وبستانه بأنواع الثمر ... وهي أكثر بلاد المغرب يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق.»
12
ولما وصف المقدسي إقليم المغرب جملة عند زيارته فيما يهمنا من الناحية العلمية، قال: «إنه إقليم كبير طويل ... أهله لا يعرفون مذهب الشافعي إنما هو أبو حنيفة ومالك، وكنت يوما أذاكر بعضهم في مسألة، فذكرت قول الشافعي فقال: اسكت، من هو الشافعي؟! إنما كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق، ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية؟ ... وما رأيت فريقين أحسن اتفاقا وأقل تعصبا منهم ...
وسألت بعضهم: كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ قالوا: لما قدم وهب بن وهب من عند مالك، وقد حاز من الفقه والعلوم ما حاز، استنكف أسد بن عبد الله أن يدرس عليه؛ لجلالته وكبر نفسه، فرحل إلى المدينة ليدرس على مالك فوجده عليلا، فلما طال مقامه عنده قال له: ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الزحلة. فصعب ذلك على أسد، ثم سأل: هل يعرف لمالك نظير؟ فدل على محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فرحل إليه، وأقبل محمد عليه إقبالا لم يقبله على أحد لما رأى منه من فهم وحرص، فلما رأى محمد أنه قد بلغ مراده سيبه إلى المغرب، فلما دخلها اختلف إليه الفتيان ورأوا فروعا حيرتهم، ودقائق عجبتهم، ومسائل ما طنت على أذن ابن وهب، ففشا مذهب أبي حنيفة بالمغرب ...
وهناك القسم الثالث المذهب الفاطمي ... ولهم تصانيف يدرسونها، ونظرت في كتاب الدعائم، فإذا هم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، ويقولون بمذهب الإسماعيلية، ولهم فيه سر لا يعلمونه لكل أحد إلا من وثقوا به بعد أن يحلفوه ويعاهدوه؛ وإنما سموا باطنية لأنهم يصرفون ظاهر القرآن إلى بواطن وتفاسير غريبة، ومعان دقيقة، وهذه الأصول مذاهب الإدريسية وغلبتهم بكورة السوس الأقصى.
13
وقد اشتهرت بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه، وتقصيرها في العلوم النظرية من الفلسفة وفروعها؛ قال المقري التلمساني: «وأما ملكة العلوم النظرية فهي قاصرة على البلاد المشرقية، ولا عناية لحذاق القرويين والإفريقيين إلا بتحقيق الفقه فقط، ولم يزل الحال كذلك إلى أن رحل الفقيه ابن زيتون