1 ... وقد أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في الدين.
وفي أيام هشام بن عبد الملك فر قوم من خوارج العراق إلى المغرب، وبثوا فيه مبادئهم، فسرت دعوتهم في البربر، وأعجبهم من تعاليمهم أن الخليفة ليس يجب أن يكون قرشيا، فانتفض البربر على العرب يريدون أن تكون لهم دولة من أنفسهم، وساعد على ذلك ما لقيه البربر أيام ولاية عبد الله بن الحبحاب من الظلم والفساد، وكان خوارج المغرب على مذهب الإباضية والصفرية، وكان لدعوة الخوارج أثر كبير في المغرب في إيجاد عصبية بربرية ضد العصبية العربية، وكثر عدد الخوارج من البربر حتى بلغوا في الثورة أيام عمر بن حفص - عامل الخليفة المنصور - أكثر من أربعين ألفا من الصفرية، وخمسة وعشرين ألفا من الإباضية.
2
وفي أيام هارون الرشيد ولي على المغرب يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة. قال ابن خلدون: «وفي أيامه انخضدت شوكة البربر، واستكانوا للغلب وطاعوا للدين، فضرب الإسلام بجرانه، وألقت الدولة المضرية على البربر بكلكلها.»
وفي عهد العباسيين أخذ أهل المغرب بمذهب أهل العراق «مذهب أبي حنيفة» في الأصول والفروع؛ لأن ذلك المذهب يومئذ هو مذهب الخلفاء بالمشرق، والناس على دين ملوكهم، قال القاضي عياض: «ظهر مذهب أبي حنيفة بإفريقية ظهورا كبيرا إلى قرب سنة أربعمائة ثم انقطع منها.» وللمعز بن باديس الصنهاجي المتوفى في أواسط المائة الخامسة أثر كبير في ذلك؛ فقد كان هو وأصحابه على مذهب الشيعة أخذا من أسلافهم الفاطميين أيام استيلائهم على المغرب، ثم قطع المعز دعوة الشيعة، ودعا لبني العباس وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك، وكان مذهب مالك معروفا في هذه البلاد من قبل، ولكن أهله كانوا في محنة حتى نصرهم المعز هذا.
3
وانتشر مذهب أهل السنة يزاحم الشيعة والخوارج .
هذه الأحداث العظمى من دخول العدد الكبير من العرب، وفتح البلاد، ونشر الإسلام واللغة العربية فيها، وتثقيف الناس بالدين الإسلامي والأدب العربي، وجعل البلاد جزءا من المملكة الإسلامية يدخلها التجار من جميع الأجناس، ويتبادلون مع أهلها المعاملات والسلع، واختلاط العرب وغيرهم من المسلمين بأهل البلاد بالتزاوج والتوالد، ووقوعها بين البلاد المتحضرة، وخاصة بين مصر والأندلس، وكثرة العلاقات والرحلات بين هذه البلاد بعضها وبعض، كل هذا نقل بلاد المغرب من برابرة جفاة - كما يعبر ياقوت - إلى أمة لها مدنية ولها حضارة ولها ثقافة، فلا عجب بعد إذا رأينا في البلاد حركة عقلية تؤرخ، ويكون لها شأن يذكر.
وقد اشتهرت بلدان في المغرب بتقدمها في الحضارة والعمران والعلم والأدب، كالقيروان والمهدية وتاهرت وسجلماسة وفاس.
فأما «القيروان»؛ فقد أسسها عقبة بن نافع سنة خمسين، قال ابن خلدون: «اختط عقبة القيروان، وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم، وكان دورها ثلاثة آلاف وستمائة باع، وكملت في خمس سنين، وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ودخل أكثر البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين، ورسخ الدين.» وهي عاصمة إفريقية.
4
وفي القرن الرابع كانت «مصرا بهيا عظيما قد جمع أضداد الفواكه، والسهل والجبل، مع علم كثير، لا ترى أرفق من أهلها، ليس بينهم غير حنفي ومالكي مع ألفة عجيبة، لا شغب بينهم ولا عصبية، فهي مفخرة المغرب، ومركز السلطان، وأحد الأركان، أرفق من نيسابور، وأكبر من دمشق، وأجل من أصبهان ... جامعها بموضع يسمى السماط الكبير ... وهو أكبر من جامع ابن طولون بأعمدة من الرخام، ومفروش بالرخام.
5
والمهدية؛ وهي مدينة من أعمال تونس اختطها المهدي رأس الفاطميين، وبينها وبين القيروان مرحلتان، أسسها سنة 300ه، وفرغ منها سنة 305ه، وهي على ساحل البحر الأبيض داخلة فيه كهيئة كف متصلة بزند، وسورها سورا محكما بأبواب من الحديد المصمت، وجلب إليها الماء من قرية على مقربة من المهدية، وجعل لها مرسى يسع ثلاثين مركبا.