وربما كان أعظم كتبه «القانون المسعودي» الذي ألفه للسلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين. وهذا الكتاب يبحث في الرياضة والفلك وفلسفة الهند، ولما ينشر بعد.
وقد عمر «البيروني» عمرا طويلا مباركا ألف فيه كتبا كثيرة نشرت في رسالة له في أول كتاب «الآثار الباقية» تدل على سعة آفاقه العلمية وعمقه فيها، وقد مات بغزنة نحو 440ه عن خمسة وسبعين عاما.
كما كان من رجال الفلسفة في بلاط السلطان محمود، ابن الخمار، وكان نصرانيا، وقد تقدم طرف من خبره.
كما كان في بلاط من أدباء الفرس: الفردوسي، والعنصري، والعسجدي، والفرخي، وقد نظم له الفردوسي قسما من الشاهنامة، كما نظم له الآخرون، وموضع ذلك الأدب الفارسي.
26
| هوامش
الفصل الخامس
| بلاد المغرب
لما فتح المسلمون بلاد المغرب كلها كانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام: مملكة إفريقية، وهي المغرب الأدنى، وقاعدتها القيروان؛ وسمي أدنى لأنه أدنى إلى بلاد العرب ومركز الخلافة، والمغرب الأوسط، وقاعدته تلمسان والجزائر، والمغرب الأقصى، وقاعدته فاس في مراكش.
وكان العرب يطلقون على سكان كل هذه البلاد البربر.
وقد افتتحها المسلمون من أوائل عهد الفتح، ولقوا في فتحها عناء كبيرا، وبذلوا في ذلك ضحايا كثيرة من سنة 26ه إلى سنة 81ه.
وكان أهل هذه البلاد لسذاجتهم مرتعا خصيبا للدعاة الخارجين على الدولة. ولكل داع بمذهب ديني جديد، قال ياقوت: «البربر أجفى خلق الله، وأكثرهم طيشا، وأسرعهم إلى الفتنة، وأطوعهم لداعية الضلالة، وأصغاهم لنمق الجهالة، ولم تخل أجيالهم من الفتن وسفك الدماء قط ... وكم من ادعى فيهم النبوة فقبلوا، وكم زاعم فيهم أنه المهدي الموعود به فأجابوا دعوته ولمذهبه انحلوا، وكم ادعي فيهم مذهب الخوارج فإلى مذهبه بعد الإسلام انتقلوا.» وقامت به دول مختلفة متعاقبة؛ فقد خرج على المغرب الأقصى إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سنة 169ه، ونشر الدعوة به، وأسلم على يده خلق كثير، فبويع له بالخلافة سنة 172ه، وأسس دولة تسمت دولة الأدارسة استمرت إلى سنة 375ه فاكتسحتها دولة العبيديين «الدولة الفاطمية».
وقام بنو الأغلب بتونس ودولتهم تنسب إلى إبراهيم بن الأغلب التميمي، حكمت من سنة 184ه. وقد عظمت دولتهم وأنشئوا أسطولا قويا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية ومالطة وسردينيا، وكان عهدهم عصر سيطرة قوية على البحر، واستمروا في الحكم إلى 296ه، حيث استولى عليهم العبيديون أيضا.
ثم جاءت الدولة الفاطمية، وكان منشؤها بالمغرب، فبسطت سلطانها على جميع بلاد المغرب من حدود مصر إلى المحيط الأطلنطي مضافا إليها صقلية وسردينيا، وقد بدأ ملكهم على يد أبي محمد عبيد الله المهدي سنة 296ه، واستمر الملك في أولاده حتى تولى منهم المعز، فلما انتقل إلى مصر سنة 362ه، وتتابعت فتوحهم في الشام والحجاز واليمن، وقوي سلطانهم فيها، ضعف سلطانهم في الغرب.
فجاء بنو زيري الصنهاجيون بتونس والجزائر، وأصلهم من البربر، وكانوا عمالا للفاطميين، ولما سار المعز إلى مصر استعمل على تونس يوسف بن بلكين، ثم استفحل أمر يوسف واستقل بمملكته، وأسس دولة نسبت إليه استمرت من سنة 361ه-542ه، واشتهر من رجالها باديس بن يوسف، وابنه المعز، وهو أول من حمل الناس بإفريقية على مذهب مالك، وكانوا قبل على مذهب أبي حنيفة، ثم ابنه تميم بن المعز الشاعر الكبير، وسيأتي ذلك.
ومن أول الفتح والمسلمون يعملون أقصى ما وفي وسعهم لإدخال البربر في الإسلام، وتفقيههم وتحضيرهم، وتوالى على بلاد المغرب أمراء عظام عملوا في هذه السبيل أعمالا جليلة، فحسان بن النعمان الغساني عامل عبد الملك بن مروان على إفريقية هو الذي دون الدواوين بها باللغة العربية، وغزا موسى بن نصير المغرب، وكان معه سبعة وعشرون ألفا من العرب، واثنا عشر ألفا من البربر، وأمر موسى العرب أن يعلموا البربر القرآن والفقه ... ثم أسلم بقية البربر على يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر سنة 101ه أيام عمر بن عبد العزيز