تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مضى أكثر الأيام في ظل نعمة

على رتب فيها علوت كراسيا

فآل عراق قد غذوني بدرهم

ومنصور منهم قد تولى غراسيا

وشمس المعالي كان يرتاد خدمتي

على نفرة مني وقد كان قاسيا

19

وأولاد مأمون ومنهم عليهم

تبدى بصنع صار للحال آسيا

وآخرهم مأمون رفه حالتي

ونوه باسمي ثم رأس راسيا

20

ولم ينقبض محمود عني بنعمة

فأغنى وأقنى مغضيا عن مكاسيا

21 •••

أبو الفتح في دنياي مالك ربقتي

فهات بذكراه الحميدة كاسيا

22

فلا زال للدنيا وللدين عامرا

ولا زال فيها للغواة مواسيا

ويعده «سخاو» المستشرق الكبير - ناشر كتبه - أكبر عقلية علمية ظهرت، وكذلك رأى محمد بن محمود النيسابوري، إذ قال: «إن له في الرياضيات السبق الذي لم يشق المحضرون غباره، ولم يلحق المضمرون المجيدون مضماره.»

وفي الحق أنه كان من خير الأمثال العليا للعالم المخلص للعلم، الواهب له حياته، يزهد في المال إلا ما يكفيه حاجته، صنف القانون المسعودي للسلطان مسعود؛ فوصله السلطان بأموال طائلة فردها بعذر الاستغناء عنها.

23 «ولا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر؛ إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمس إليه الحاجة في المعاش»، لا يمل الاستزادة من العلم حتى حين يجود بنفسه. دخل عليه الفقيه أبو الحسن الولوالجي، وهو يجود بنفسه فسأله عن مسألة توريث ذوي الأرحام؛ فقال له الفقيه؛ إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال البيروني: أودع الدنيا وأنا عالم بها خير من أن أخليها وأنا جاهل بها! قال الفقيه: فلما خرجت من عنده سمعت الصراخ عليه.

24

ويقول عنه نفسه: «خصصت في غريزتي منذ حداثتي بفرط الحرص على اقتناء المعارف بحسب السن والحال.» ويتعلم لغات مختلفة؛ ففي كتبه عن العقاقير والجواهر يذكر اسم الشيء بالعربية واليونانية والسريانية والفارسية والتركية؛ ويقارن بين اللغات مقارنة دقيقة، فيمدح اللغة العربية بحسن أدائها للمعاني، ويفضلها على الفارسية، وينقد الكتابة الفارسية، كما ينقدها مفكرو اليوم نقدا دقيقا فيقول: «إن كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها، واستعملتها في مآربها ... وأنا نفسي قد طبعت على لغة - يريد بها لغته الأصلية الخوارزمية - لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في الأكواب، ثم انتقلت إلى العربية والفارسية، وأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم نقل إلى الفارسية كيف ذهب رونقه، وكسف باله واسود وجهه، وزال الانتفاع به؛ إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية، والأسمار الليلية.»

ثم ينقد الكتابة العربية فيقول: «وقد حل بأرضنا رومي، فكنت أجيء بالحبوب والبذور والثمار وغيرها، وأسأله عن أسمائها بلغته وأحررها؛ لأن للكتابة العربية آفة عظيمة، وهي تشابه صور الحروف المزدوجة فيها، واضطرارها في التمايز إلى نقط المعجم، وعلامات الإعراب التي إذا تركت استبهم المفهوم منها؛ فإذا انضاف إليها إغفال المعارضة، وإهمال التصحيح بالمقابلة - وذلك بالفعل عام في قومنا - تساوى وجود الكتاب وعدمه، بل علم ما فيه وجهله؛ ولولا هذه الآفة لكفى نقل ما في كتاب ديسقوريدس المنقولة إلى العربي من الأسامي اليونانية إلا أنا لا نثق بها ... إلخ.»

25

لقد اتصل البيروني بشمس المعالي قابوس بن وشمكير، وألف له «الآثار الباقية»، وهو يبحث في التواريخ التي كانت تستعملها الأمم، والاختلاف في الشهور والسنين، والتقاويم عند الأمم وأسسها، إلى غير ذلك مما يسميه الفرنج الآن علم الكرونولوجيا .

فلما اتصل بمحمود بن سبكتكين فاتح الهند، وقف من الفتوح موقفا عجيبا يذكرنا بالجمعية العلمية الفرنسية في حملة نابليون على مصر، ولكن البيروني كان جمعية وحده، فعكف على الهند يدرسها من جميع نواحيها: جغرافيتها وعلومها ودينها؛ بل وجواهرها، وألف في ذلك الكتب الكثيرة مثل «تاريخ الهند»، و«الجماهر في معرفة الجواهر» ... إلخ، وتعلم اللغة السنسكريتية، وأخذ ينقل منها إلى العربية، ومن العربية إليها، فنقل إلى السنسكريتية «نظريات إقليدس»، و«المجسطي» في الفلك، ونقل إلى العربية من السنسكريتية «باتا نجالي».

ظهر الإسلام · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٠٧