تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

فطارت توقيعاته في البلاد ولا شوارد الأمثال، وأبيات المعاني من القصائد الطوال، ففي كل ناد نداء بألحانها، وفي كل مشهد شهادة باستحسانها ... إلخ.»

16

وأما أبو الفتح البستي، فكان كاتب محمود بن سبكتكين وموضع سره، ومستشاره في أمره، وهو أديب كبير له شعر جيد، ونثر جيد؛ فأما شعره فأكثره مقطوعات يعمد فيها إلى المعنى الدقيق، فيصوغه في لفظ رشيق، وأما نثره فواضح جميل فيه السجع والازدواج على طريقة عصره، وهو في نثره يكثر من الأمثال، وفي نظمه يكثر من الحكم. وقد قال الثعالبي: إن له طريقة خاصة به، فهو «صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس، البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه، ويأتي فيه بكل طريقة لطيفة»، تتجلى هذه الطريقة في أمثاله من مثل قوله: «عادات السادات، سادات العادات - الخيبة تهتك الهيبة - من كان عبد الحق فهو حر - المنية تضحك من الأمنية - معنى المعاشرة ترك المعاسرة ... إلخ.» وله في هذا الباب الشيء الكثير.

كذلك تظهر طريقته في شعره من دقة المعنى وأناقة اللفظ، مثل قوله:

لا يغرنك أني لين الم

س فغربي إذا انتضيت حسام

أنا كالورد فيه راحة قوم

ثم فيه لآخرين زكام

وقوله:

وقد يلبس المرء خز الثياب

ومن دونها حالة مضنيه

كمن يكتسي خده حمرة

وعلتها ورم في الريه

وقوله:

تحمل أخاك على ما به

فما في استقامته مطمع

وأنى له خلق واحد

وفيه طبائعه الأربع؟!

ويظهر أن له ثقافة واسعة في علم النجوم استخدمها كثيرا في شعره.

وعلى الجملة فشعره ونثره يدلان على رقة ذوقه، وسعة ثقافته في فروع من العلم مختلفة، إلى استفادة كبيرة من مزاولته الكتابة للسلاطين والأمراء، واحتكاكه بالأحداث السياسية، والمشاكل الاجتماعية، وأكثر ما يتجلى ذلك في أمثاله وحكمه.

وقد غضب عليه ابن سبكتكين أخيرا فنفاه إلى بلاد الترك، ومات بها سنة 400ه.

ثم كان مؤرخ الدولة الغزنوية الكبير، وهو أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي، وقد سمى كتابه «اليميني» نسبة إلى لقب محمود بن سبكتكين؛ فقد لقبه الخليفة القادر بالله «يمين الدولة وأمين الملة». وقد ألف العتبي كتابه هذا في تاريخ الدولة الغزنوية ترجم فيه لسبكتكين، وكيف أسس مملكته، ثم تاريخ ابنه محمود، والوقائع التي حدثت في أيامه ... إلخ.

ولا يزال الكتاب يعد أكبر مصدر لتاريخ هذه الدولة. وقد صاغه في أسلوب أدبي مسجوع على نحو ما فعله معاصره أبو منصور الثعالبي؛ ولذلك وقع بين الكتب الأدبية والتاريخية، ولو كان نثرا مرسلا لكان أجدى على التاريخ، ومع هذا فقد حاز شهرة كبيرة في عالم الأدب، وخاصة في الأقاليم الفارسية، قال السبكي: «وكان أهل خوارزم وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات الحريري.»

17

وعني بشرحه كثير من الأدباء، وطبع له في مصر شرح للمنيني الدمشقي.

وقد حكى الأستاذ براون في كتابه «التاريخ الأدبي للفرس» أن السلطان محمود علم أن في مجلس مأمون بن مأمون جماعة من رجال العلم والفلسفة منهم ابن سينا والبيروني، وأبو سهل المسيحي، وابن الخمار، وأبو نصر العراق، فكتب إليه أن أرسلهم ليشرفوا بمجلسي ونستفيد من علمهم. فجمعهم مأمون بن مأمون، وقرأ عليهم كتاب السلطان، فأبى ابن سينا وفر، وقبل البيروني، وابن الخمار، والعراق.

18

وكان ذهاب البيروني إليه نعمة لا تقدر، فهو الذي استغل فتوح السلطان محمود في الهند أحسن استغلال علمي وجعل ثروة الهند في الرياضة والفلسفة والإلهيات في يد العرب والفرنج، ولا تزال كتبه التي ألفها العمدة الصادقة لكل من كتب عن الهند من شرقيين وغربيين، وكان البيروني هذا درة في تاج الدولة الغزنوية كابن سينا في الدولة السامانية.

وهو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، نسبة على بيرون مدينة في السند، ولد سنة 362ه، ونبغ في كثير من العلوم، وخاصة الرياضة والفلك، وأزهر في الأوساط العلمية، وكانت - إذ ذاك - قصور الخلفاء والأمراء ومجالسهم تقوم مقام الجامعات اليوم، وقد عدد في إحدى قصائده الذين أكرموه لعلمه، فقال:

ظهر الإسلام · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٠٦