ونعود إلى وصف الحركة العلمية والأدبية في هذه البلاد.
كان طبيعيا أن تكون الحركة العلمية والأدبية في البلاد الجديدة التي فتحتها الدولة الغزنوية في الهند ضعيفة؛ فقد بدأت تنشر فيها الإسلام والعربية، فليس من الطبيعي أن تخرج علماء، أما القسم الذي استولت عليه من الدولة السامانية وغيرهما مما تأصل فيه الإسلام من عهد بعيد، فقد استمرت فيه الحركة في العهد الغزنوي كما كان في العهد الساماني.
وكان من الغزنويين من شجع الحركة الدينية والعلمية والأدبية تشجيعا عظيما، وخاصة محمود بن سبكتكين؛ فقد سار على أسلوب العصر في أن يزين مملكته بالعلماء والأدباء، كما يزين تاجه باللآلئ.
وقد احتاط به كثير من علماء الدين، وجد أهل المذاهب الدينية والفقهية في كسبه، علما منهم بأنه إذا اعتنق مذهبا ساد في الأقاليم الواسعة التي فتحها فالفاطمية في مصر وجهوا إليه «التاهرتي» الداعي ليدعوه إلى مذهب الفاطمية، فوقف السلطان محمود على سر ما دعا إليه، وعلم بطلان ما ندب إليه، وأمر بقتل التاهرتي، وأهدى بغلته التي كان يركبها إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي شيخ هراة، وقال: «كان يركبها رأس الملحدين، فليركبها رأس الموحدين.»
8 «وذكر إمام الحرمين أبو المعالي الجويني أن السلطان المذكور كان على مذهب أبي حنيفة، وكان مولعا بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي، فوقع في خلده حكمه، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، وركعتين على مذهب الإمام أبي حنيفة لينظر فيه السلطان، ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما، وتولى الإمام القفال المروزي الشافعي ذلك، فتحول السلطان من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي.»
9
ولما فتح إقليم خراسان، وسائر إيران وما وراء النهر وسجستان، وجه أدباؤها مديحهم إليه كما كانوا يوجهونه إلى السامانيين؛ فبديع الزمان الهمذاني ينشئ القصائد في مدح محمود بن سبكتكين، كالتي يقول فيها:
تعالى الله ما شاء
وزاد الله إيماني
أأفريدون في التاج
أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت
إلينا بسليمان
أظلت شمس محمود
على أنجم سامان
وأمسى آل بهرام
عبيدا لابن خاقان
10
إذا ما ركب الفيل
لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا
على منكب شيطان
11
فمن واسطة الهند
إلى ساحة جرجان
ومن قاصية السند
إلى أقصى خراسان
على مقتبل العمر
وفي مفتتح الشان
فيوما رسل الشاه
ويوما رسل الخان
12
فما يعزب بالمغر
ب عن طاعتك اثنان
أيا والي بغداد
ويا صاحب همدان
تأمل مائتي فيل
على سبعة أركان
13
يقلبن أساطين
ويلعبن بثعبان
14
ويأجوج ومأجوج
من الجند تموجان
وكذلك أنشأ أبو منصور الثعالبي القصائد في مدحه كقوله:
يا خاتم الملك ويا قاهر ال
أملاك بين الأخذ والصفح
عليك عين الله من فاتح
للأرض مستول على النجح
راياته تنطق بالنصر بل
تكاد تملا كتب الفتح
فاسعد بأيامك واستغرق ال
أعداء بالكبح وبالذبح
إلى كثير غيرهما من الشعراء.
واختص به أديبان كبيران ناثر وشاعر، وأولهما أبو القاسم أحمد بن حسن الميمندي، وثانيهما كاتبه أبو الفتح البستي.
فالأول «الميمندي»: «كان وزير محمود بن سبكتكين، واشتهر بفصاحة العلم، وعلو الهمم، وسعة النظر، وحسن السياسة، وكان الوزير الذي قبله «أبو العباس» قليل البضاعة في الصناعة، فانتقلت المخاطبات مدة أيامه من العربية إلى الفارسية حتى كسدت سوق البيان، وبارت بضاعة الإجادة والإحسان، ولما سعدت الوزارة بأبي القاسم رفع ألوية الكتاب، وعمر أفنية الآداب، فأمر الكتاب أن يتحاشوا الفارسية إلا عن ضرورة من جهل من يكتب إليه، وعجزه عن فهم ما يتعرب به إليه.