2
ومن مدن سجستان المشهورة الرخج، وإليها ينسب كثير من العلماء والأدباء.
ثم من أهم مدن هذه الدولة غزنة، وكانت عاصمة ملكها، وقد ملأها محمود بن سبكتكين بأجمل ما وصلت إليه يده عند فتحه للهند. وقد دفن بها السلطان محمود هذا، ولا يزال بها قبره عليه قبة عظيمة، وأبواب المدفن من خشب الصندل، قيل: إنه أتى بها من أحد هياكل الهند.
وقد وصف العتبي بعض ما عمله السلطان محمود في غزنة، فذكر - مثلا - أنه بنى فيها مسجدا، وقال: «لما عاد السلطان يمين الدولة إلى دار الملك بغزنة أحب أن ينفق ما أفاء الله عليه في عمل بر يشيع جدواه، وكان قد أوعز باختطاط صعيد من ساحة غزنة للمسجد الجامع، إذ كان ما اختط قديما على قدر أهلها، فوافق عوده حصول المراد من تقطيعه وتوسيعه، وإقامة الجدران على ترابيعه، فصب بدر المال على الصناع، كما صب دماء الأبطال يوم القراع ... ونقل إليه من أقطار الهند والسند جذوع توافقت قدودا ورصانة، وتناسبت تدويرا وثخانة. وقد فرشت ساحتها بالمرمر منقولا من كل فج عميق، ومضرب سحيق ... أشد ملاسة من راحة الفتاة وصفحة المرآة. فأما الأصباغ فروضة الربيع ضاحكة الثغور تستوقف الأبصار، وتقيد النظار. وأما التهيب فهو صبات الذهب الأحمر أفرغت عن صور الأصنام المجذوذة، والبددة المأخوذة،
3
فطفقت تعرض على النار بعد أن كانت آلهة للكفار ...» إلخ.
وقد أفرد السلطان لخاصته بيتا في المسجد مشرفا عليه، فرشه وإزاره من الرخام، قد أحيط بكل رخامة مربعة محراب من الذهب الأحمر مكللا باللازورد، في تعاريج من ألوان المنثور والورد.
وأمام هذا البيت مقصورة بتعاريج عليها منصوبة
4
تسع ثلاثة آلاف غلام، متى شهدوا للفرض أخذوا أماكنهم منها صفوفا، وأقبلوا على انتظار الأذان عكوفا.
وأضيف إلى المسجد مدرسة فيحاء، تشتمل بيوتها من بساط الأرض إلى مناط السقوف على تصانيف الأئمة الماضين، من علوم الأولين والآخرين، منقولة من خزائن الملوك، نقروا عن ديار العراق، ورباع الآفاق، حتى اقتنوها بخطوط كفرائد سموط، مصححة بشهادات التقييد، وعلامات التخفيف والتشديد، ينتابها فقهاء دار الملك وعلماؤها للتدريس، والنظر في علوم الدين، على كفاية ذوي الحاجة منهم ما يهمهم، جراية وافرة، ومعيشة حاضرة.
وناهيك من بلد يحتوي على مرابض ألف فيل، يشغل كل منها بساسته ومارته
5
دارا كبيرة، وخطة وسيعة، إن الله تعالى إذا أراد عمر البلاد وكثر العباد،
6
وقال ياقوت: «وقد نسب إلى هذه المدينة من لا يعد ولا يحصى من العلماء.» وقال السمعاني: «الغزنوي نسبة إلى غزنة، وهي بلدة من بلاد الهند، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن.»
ثم أفغانستان، ومن أشهر مدنها قندهار، وكابل، وقد نسب إليها جمع من المحدثين.
ثم السند، وكانوا يطلقونها على البلاد الواقعة بين الهند ومكران وسجستان. وكانت عاصمتها «المنصورة»، وقد قال المقدسي في وصف السند عندما زارها: «إنه إقليم الذهب والتجارات والعقاقير والآلات والفانيذ والخيرات ... به عدل وإنصاف وسياسات ... العلماء به قليلون، والمنصورة قصبتها وهي مثل دمشق، لأهلها مروءة، وللإسلام عندهم طراوة، والعلم وأهله كثير، ولهم ذكاء وفطنة ... ومن مدن السند ديبل، وكل أهلها تجار، وكلامهم سندي وعربي - والملتان، وهي مثل المنصورة، وأهلها لا يكذبون في بيع، ولا يبخسون في كيل، يحبون الغرباء، وأكثرهم عرب.»
7
ثم قال: «إن إقليم السند أكثر أهله مذاهبهم أصحاب حديث، ورأيت القاضي أبا محمد المنصوري داوديا إماما في مذهبه، وله تدريس وتصانيف، قد صنف كتبا عدة حسنة. وأهل الملتان شيعة، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة، وليس به مالكية ولا معتزلة، ولا عمل للحنابلة؛ قد أراحهم الله من الغلو والعصبية والهرج والفتنة» ... إلخ.