ويقول في ابني ميكال بعد أن ذكر العراق وأهله، وأنه لا يدانيهم في فضلهم أحد:
حاشا الأميرين اللذين أوفدا
علي ظلا من نعيم قد ضفا
هما اللذان أثبتا لي أملا
قد وقف اليأس به على شفا
تلافيا العيش الذي رنقه
صرف الزمان فاستساغ وصفا
وأجريا ماء الحيا لي رغدا
فاهتز غصني بعدما كان ذوى
هما اللذان سموا بناظري
من بعد إغضائي على لذع القذى
هما اللذان عمرا لي جانبا
من الرجاء كان قدما قد عفا
وقلداني منه لو قرنت
بشكر أهل الأرض عني ما وفى
ونرى مثلا أبا منصور الثعالبي يؤلف كتابه «لطائف المعارف» للصاحب بن عباد، و«المبهج» لشمس المعالي قابوس بن وشمكير، و«فقه اللغة»، و«سحر البلاغة» لأبي الفضل الميكالي، و«النهاية في الكناية» لمأمون بن مأمون صاحب خوارزم ... إلخ.
وعلى الجملة فهاتان الدولتان - البويهية والسامانية - مع فارسية ملوكهما وأعجمية لغاتهما الأصلية قد خدمتا اللغة العربية، والأدب العربي، والعلوم الإسلامية العربية، والفلسفة الإسلامية العربية خدمة لا تقدر.
| هوامش
الفصل الرابع
| السند وأفغانستان
تولى هذا الإقليم الدولة الغزنوية، وتسمى أيضا دولة بني سبكتكين. وقد قامت هذه الدولة من سنة 351ه إلى سنة 582ه.
وهي دولة تركية، والنزاع بين الأتراك والفرس قديم، والحرب بينهم سجال؛ فقد ساد الفرس في الدولة العباسية الأولى إلى أن جاء المعتصم فقوي سلطان الترك، وضعف سلطان الفرس، وظل الحال كذلك حتى أتى بنو بويه، وهم فرس، فاستردوا سلطانهم، وأضعفوا سلطان الترك.
وكذلك الأمر هنا؛ فقد ساد السامانيون الفرس في خراسان وما وراء النهر حتى جاء آل سبكتكين الأتراك، فأنزلوهم عن مكانتهم، وحلوا محلهم في السيادة.
نشأ الأمراء الأولون من الدولة الغزنوية في أحضان الدولة السامانية؛ فقد كان ألبتكين مملوكا تركيا حاكما لهراة من قبل السامانيين، وقد فتح غزنة سنة 352ه؛ وقد خلفه ابن إسحاق، وهذا لم يعقب فآل أمر ما بيده إلى غلامه سبكتكين، وإليه تنسب الدولة. وقد وسع سبكتكين ملكه في ناحيتين: في ناحية الهند، وأنشأ بها حكومة في «بشاور»، وفي ناحية فارس باستيلائه على خراسان وما إليها. ومن أشهر رجال هذه الدولة - بل من أشهر أعلام الإسلام - محمود بن سبكتكين الذي وطد ملكه ووسعه، فوسع فتوحه في الهند إلى ما وراء كشمير وبنجاب، واستولى من ناحية أخرى على بخارى وما وراء النهر، وأخذ إقليم الري وأصفهان من البويهيين إلى العراق، فامتدت مملكته من لاهور إلى سمرقند إلى أصفهان إلى العراق، واستمر الملك في عقبه إلى أن خلفتها الدولة الغورية.
والذي يهمنا هنا الناحية العقلية؛ فقد كانت هذه البلاد في هذه الدولة مركزا عقليا نبغ فيه كثير من رجال العلم والأدب والفلسفة.
وكان من أهم بلاد هذه الدولة ولاية سجستان «وعاصمتها زرنج، وفي أهل سجستان عظم خلق وجلادة، وأغلب أهلها على مذهب الحنفية لا ترى من غيرهم إلا القليل، وكان فيها كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم، ولا يتحاشون منه، ويفتخرون به عند المعاملة، يقول الرجل عند مماكسته: «أنا من الخوارج لا تجد عندي إلا الحق.» واشتهر أهل سجستان - على العموم - بصحة المعاملة، وقلة المخاتلة، ومسارعتهم إلى إغاثة الملهوف ومداركة الضعيف، ثم أمرهم بالمعروف».
1
وقد ينسب إليها فيقال: السجستاني، وقد تختصر النسبة فيقال: السجزي. وكثير من العلماء ينسب إليها، منهم أبو سعيد السجزي القاضي الحنفي، رحل إلى الشام والعراق وخراسان، ثم عاد إلى بلاده وولي القضاء بعدة نواح، ومات بفرغانة سنة 383ه. وأبو أحمد خلف بن أحمد السجزي كان ملكا بسجستان، وكان من أهل العلم والفضل والسياسة والملك، سمع الحديث بخراسان والعراق، وقد سلب ملكه سنة 399ه محمود بن سبكتكين، وتوفي في الهند محبوسا.
وكان من أعماله العظيمة أن جمع العلماء بسجستان وحملهم على تصنيف كتاب في التفسير، لا يغادرون فيه حرفا من أقاويل المفسرين وتأويل المتأولين، ونكت المذكرين، ويتبعون ذلك بوجوه القرارات وعلل النحو والتصريف، ويوشحونه بما رواه الثقات الأثبات من الحديث. وقد أنفق على العلماء مدة اشتغالهم فيه عشرين ألف دينار، وتم هذا العمل الضخم في مائة مجلد تستغرق عمر الكاتب، وتستنفد حبر الناسخ.