وقد صنف في اللغة كتاب «التهذيب» في عشرة مجلدات، وهو من الكتب التي فرغها ابن منظور في كتابه «لسان العرب» وقال في مقدمته: «ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده، وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات للطريق.»
وقد توفي الأزهري سنة 370ه.
وكذلك الجوهري صاحب «الصحاح»، ومبتكر طريقة للمعاجم جرى عليها صاحب «القاموس» و«لسان العرب» وغيرهما. وهو إسماعيل بن حماد، أصله من فاراب، سافر إلى بلاد العرب، ودخل ديار ربيعة ومضر، وجمع ما استطاع من اللغة، وعاد إلى نيسابور فدرس فيها، ثم وضع كتاب «الصحاح»، وهو يعد من أمهات كتب اللغة اهتم به علماء اللغة اهتماما كبيرا استفادة ونقدا، وقد تقدم ذكره. مات سنة 398ه.
ومن هذا الإقليم من علماء اللغة والأدب الزوزني
9
أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم نسبة إلى زوزن، وهي بلدة واسعة بين نيسابور وهراة، وكانت زوزن تسمى بالبصرة الصغرى؛ لكثرة من أخرجت من الفضلاء والأدباء وأهل العلم، وإليها ينتسب كثير من أهل الأدب والعلم، منهم صاحبنا هذا.
وقد خلف لنا شرحا على المعلقات السبع، وهو شرح مختصر مفيد يدل على سعة علم باللغة والنحو والتصريف وحسن الذوق والفهم، مات بزوزن سنة 374ه.
وكان في هذا الإقليم أمراء جمعوا إلى الإمارة وجاهة الأدب، ورعاية أهله، فأحاطوا أنفسهم بجو أدبي رائع، كان ينتج أكثر مما أنتج لولا ما انغمسوا فيه من السياسة وفتنها وألاعيبها.
فكان فيه طائفة كبيرة من نسل الخلفاء العباسيين ، أتوا إليه من العراق لما كان يعرفون من الرابطة القوية بين آبائهم العباسيين والخرسانيين؛ إذ كان الخراسانيون عماد الدولة العباسية. فلما ذهب إلى خراسان أبناء هؤلاء الخلفاء أكرمهم الخراسانيون وأغدقوا عليهم النعم، وأحلوهم محل الإجلال، ولعبت ببعض هؤلاء الذين من نسل الخلفاء فكرة أن يعيدوا الأمر جذعة، فيبثوا الدعوة لأنفسهم، ويكونوا جيشا من الخراسانيين يفتحون به العراق من جديد ويؤسسون ملكا جديدا، وأصاب بعضهم بعض النجاح أولا وفشلوا أخيرا.
وكان من أشهر هؤلاء أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني من نسل المأمون، قال الثعالبي: «وقد رأيت المأموني ببخارى سنة 382ه، وعاشرت منه فاضلا ملء ثوبه، وذاكرت أديبا شاعرا بحقه وصدقه، وسمعت منه قطعة من شعره، ونقلت أكثره من خطه، وكان يسمو بهمته إلى الخلافة، ويمني نفسه قصد بغداد في جيوش تنضم إليه من خراسان لفتحها، فاقتطعته المنية دون الأمنية، ولم يكن بلغ الأربعين، وذلك سنة 383ه.»
10
وكذلك كان أبو محمد عبد الله بن عثمان الواثقي من أولاد الخليفة الواثق، ذهب كذلك بأهله إلى خراسان، ودبر أن يستعين بالأتراك لإزالة دولة بني سامان حتى هاجموا بخارى وأزالوا الساماني عنها، ثم فشلت الحركة، وكان كالمأموني شاعرا أديبا.
ومن الأمراء غير العباسيين الذين كانوا من الأدباء آل ميكال الذين اشتهر من بينهم أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي، وأبو محمد عبد الله بن إسماعيل الميكالي، وآل ميكال أسرة كبيرة من سادة خرسان، وأولي الفضل والنبل والرياسة فيها، جمعوا إلى إنشاء الأدب حماية الأدب.
هؤلاء الأمراء الأدباء من نسل العباسيين وغيرهم بهذا الإقليم شجعوا حركة أدبية عظيمة بما بذلوا من مال، وما وجهوا من رأي، وما ضربوا المثل بما أنشئوا من أدب، فقصدهم المؤلفون يهدون إليهم تآليفهم وقصائدهم؛ فيقصد ابن دريد - مثلا - أبا الفضل الميكالي في نيسابور، ويؤلف له كتاب «الجمهرة»، وينشئ له قصيدته المقصورة - يا ظبية أشبه شيء بالمها - والتي يقول فيها في مدح آل ميكال:
إن ابن ميكال الأمير انتاشني
من بعدما قد كنت كالشيء اللقا