تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسار في ذلك على منهجه أبو عبد الله الضرير الأبيوردي، وقد وضع قصيدة في أمثال الفرس كذلك أولها:

صيامي إذا أفطرت بالسحت ضلة

وعلمي إذا لم يجد ضرب من الجهل

وتزكيتي مالا جمعت من الربا

رياء، وبعض الجود أخزى من البخل

كسارقة الرمان من كرم جارها

تعود به المرضى وتطمع في الفضل

وقد قال الثعالبي: «كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر.»

7

وأنتج هذا الإقليم من أعلام النثر الأديبين الكبيرين الشهيرين أبا بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.

فالخوارزمي محمد بن العباس أصله من خوارزم، وطوف في الشام، ونزل ضيفا على سيف الدولة في حلب، وعلى الصاحب بن عباد في الري، ثم عاد إلى نيسابور.

وكان يتعصب لبني بويه، ويغض من سلطان خراسان، ونكل به مرة من أجل ذلك، ثم علت منزلته ثانية، ونظر إليه أهل نيسابور بعين الإكرام والإعظام، وعد إمام الأدباء حتى رمي ببديع الزمان الهمذاني، وبلي بمساجلته، وأعان البديع شبابه ولباقته، ومساعدة خصوم الخوارزمي السياسيين للبديع، «فانخزل الخوارزمي انخزالا شديدا، وكسف باله، وانخفض طرفه، ولم يحل عليه الحول حتى خانه عمره، ومات سنة 383ه».

8

وقد خلف لنا رسائله الأدبية القيمة، على ما فيها من تكلف أحيانا جر إليه الغرام بالسجع والبديع.

ثم أتى بديع الزمان الهمذاني، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسن، ولد بهمذان، وتوفي بهراة سنة 398ه، وقد أربى على الأربعين، قد اتصل بالأمير محمد بن منصور فأكرمه، ونزل نيسابور سنة 382ه، فأملى بها مقاماته المشهورة، وكانت الخصومة بينه وبين أبي بكر الخوارزمي أيام إقامتهما في نيسابور. وقد قص البديع هذه الخصومة في رسائله، ولا بد أن يكون قد بالغ فيها تحيزا لنفسه، ومع هذا فهي تدل على ما عرف عن البديع من جودة حفظ، وحضور بديهة، وقوة بيان.

وله الفضل الكبير في مقاماته التي حذا حذوها الحريري فيما بعد، وله رسائله، وهذه وتلك تدل على خفة روح وحسن خيال، وقدرة على الابتكار، ووقوف على أحوال الزمان مما يجعلها مصدرا كبيرا لدراسة الحياة الاجتماعية في زمنه.

ونبغ في هذا العصر، وفي هذا الإقليم من الأدباء والمؤلفين في الأدب أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري، كان أديبا بليغا على أسلوب أهل زمانه في السجع والاستعارة والتشبيه، وكان واسع العلم باللغة والأدب والأدباء وتاريخهم، وألف في ذلك كله؛ فله «فقه اللغة» أراد فيه أن يجعله معجما على نمط جديد، وهو جمع الكلمات في الموضوع الواحد في موضع واحد، وأتت هذه الفكرة للثعالبي في نيسابور، وابن سيده في الأندلس في وقت واحد تقريبا؛ فقد مات الثعالبي سنة 429ه، ومات ابن سيده سنة 458ه، وألف الأول «فقه اللغة»، والثاني «المخصص»، كما ألف الثعالبي «يتيمية الدهر في محاسن أهل العصر»، ذكر فيه تراجم الأدباء في المائة الرابعة، ومختارا من أدبهم مقسما إلى الدول المختلفة، والأمصار المتباينة، وقد عني بالمختارات أكثر مما عني بتراجم الحياة.

وله كتب أخرى كثيرة قيمة وصلت إلينا «كالإعجاز والإيجاز»، و«خاص الخاص»، و«ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، و«من غاب عنه المطرب» و«نثر النظم»، و«حل العقد» ... إلخ. وله كتاب «غرر أخبار ملوك الفرس»، وكلها كتب قيمة مفيدة.

كما كان من هذه البلاد من أئمة اللغة؛ الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد الأزهر، أصله من هراة، ولد بها ومات بها، ورحل إلى العراق وأخذ عنه أئمة علمائه كابن دريد ، وطاف في أرض العرب يجمع اللغة منهم، فوقع أسيرا في يد القرامطة، قال: «وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى إعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرا طويلا ... واستفدت من مجاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أودعت أكثرها في كتابي.»

ظهر الإسلام · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ١٠١