فما اكتملت ولا أثمرت علوم الرياضة والفلك والنبات والتاريخ والفلسفة والتشريع إلا في أسبانيا العربية. وبسقوط غرناطة ذوت عظمة أسبانيا وشملتها ظلمة حالكة، عفت على صناعاتها وسحقت معاهدها العامة، وحل الدهماء واللصوص مكان الطلاب والتجار .. " أ. هـ. هكذا كنا، فإلى أين انتهينا؟. كان الإسلام شارة الإيمان الحق والعبادة المخبتة، وكان شارة الإصلاح الشامل للدنيا، والقدرة الواسعة على الانتفاع بطيبات الحياة وقوى الطبيعة. واليوم؟ .. إن المسلمين تذكر بلادهم، حيث كانوا، إذا ذكرت الأقطار المتخلفة، والجماهير الفقيرة إلى ما يرفع مستواها ويصون محياها!! وإننا إذا كنا -فى هذا الكتاب- نهاجم الظلام المقبل من الغرب ونحذر المسلمين عقبى الانطواء في ليله، فنحن نحذر المسلمين إلى جانب ذلك عقبى السير مع الجهالات التى مسخت تفكيرهم وشوهت شريعتهم وأصابت تاريخهم بالشلل. بل ردتهم إلى نكسة دونها ما أصاب الآخرين من علل وآلام .. إن بعض الدعاة الفاشلين يفرون من ظلام الغرب إلى موات الشرق. ويريدون أن يأخذوا من عصور العوج والتخبط في تاريخنا مثلا يقابلون بها تيار المدنية الغربية بما احتوته من طيب وخبيث .. وعندى أن الإسلام يؤذيه هؤلاء الدعاة، وتذبل زهرته اليانعة في أيديهم الخشنة، فضلا عن أن تيار المدنية الحديثة لن تصده هذه العوائق الباطلة. إنما يجدى في مواجهتها: عقل يغلب الهوى ... ويقين يهزم الإلحاد ... وإدراك يضم إلى فقه الآخرة فقه الدنيا، بل يعلم أن الآخرة لا تنال إلا بوسائل صحيحة، هذه الوسائل الصحيحة لا يستجمعها جهول بالحياة والأحياء ..
***
*
ص _003