قال " يوسف كوندى " سيد المؤرخين الأسبان مؤبنا خروج العرب من أسبانيا ومعلقاً على ما أصاب البلاد بعد رحيلهم. " .. وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد ذلك الشعب الباسل اليقظ، الذكى المستنير، الذى أحيت صناعته النشطة أرض الأندلس، هذه الأرض التى أسلمتها كبرياء " القوط " الخاملة إلى الجدب، فلما تسلمها العرب استدر عليها الرخاء وفاض، بعد ما احتفروا لها عديد القنوات. ذلك الشعب الذى أحاطت شجاعته العظيمة -فى السعود والشدائد معاً- عرش الخلفاء بسيج من البأس، والذى أقامت عبقريته -بالمران والتقدم والدرس- صرحا خالداً طالما انبعث ضوءه ينير أوروبا ويلقى فيها بذور الشغف بالعلم والعرفان. " هذا الشعب الذى كان روحه الشهم يطبع أعماله كلها بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه في نظر الخلف لوناً غامضاً من العظمة الخارقة ودهانا من البطولة الساحرة. ظهر العرب في إسبانيا فملؤوها بنشاطهم وبراعتهم ثم خرجوا منها حاملين أموالهم وفنونهم، فماذا أنشأ الأسبان مكانهم؟ لا نستطيع أن نجيب بشىء إلا أن حزناً خالداً يغمر هذه الأرض وكانت من لتبل تتنفس فيها أبهج الطبائع!. " إن هناك بعض الآثار المشوهة ما زالت تشرف على هذه البقاع الموحشة ولكن صرخة الحقيقة تدوى من أعماق هذه الآثار، ومن صميم هذه الأطلال الدارسة، تلقى في الأذان والأفئدة أن الشرف والمجد للعربى المغلوب، والتدهور والبأساء للأسبانى الظافر " أ. هـ. وكتب " لاين بول ": " لبثت أسبانيا في أيدى المسلمين ثمانية قرون، وضوء حضارتها يبهر أوروبا إذ أزهرت بقاعها الخصبة بجهود الفاتحين الموفقة، وأنشئت المدائن العظيمة في سهول الوادى الكبير، ثم اندثر هذا كله ولم يبق ثمة ما يذكر بهذا المجد، سوى الأسماء فقط. إن الآداب والعلوم والفنون تقد مت بها دون سائر أقطار أوروبا. ص _254
ظلام من الغرب · الصفحة ٢٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ظلام من الغربص ٢٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي