تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن تمزق الأمة أشلاء متناثرة يميت الشعور العام فيها، ويمنع تيار الإحساس الواحد من أن يأخذ دورته في شتى أجزائها. ذاك لو أن الجسم بانت عنه بعض أعضائه، فكيف إذا تربص بعضها بالبعض الآخر وغنى له المهالك؟ إن الفرقة وبال جسيم، وعندما يقع بأس الأمة بينها وتفشو الخصومات في كيانها، فهى أمة تنتحر قبل أن ينال منها عدوها. ومهما قيل في أسباب الفرقة وبواعثها فإن ذكر العصبية -للرأى أو للطائفة- كثيراً ما يسبق ذكر الله، بل كثيراً ما ينتهى بالذهول عنه. وقد سقطت الدولة الإسلامية كلها أيام التتار لهول الانقسام الذى أحفظ الشيعة على السنة، واستبيحت به دماء الفريقين، ثم استسهل بعده أن يحكم المسلمين جميعاً قوم وثنيون!! هل هذا اللدد المر بين رجال يؤمنون جميعاً بكتاب واحد ونبى واحد يمكن أن يوصف بأن مبعثه الإخلاص للإسلام، والنصح لأمته، وابتغاء مثوبة الله؟ إن الغشاوة على عقل السكران تجعله ينطح الهواء يمنة ويسرة، وتجعله يهرف بما لا يعرف، ثم لا يزال الخدر يسرى في أوصاله حتى يرتمى على الثرى .. !! وللعصبية المذهبية والطائفية ضراوة أنكى من ضراوة الخمر .. إلا أن هذه تغطى العقل، أما تلك فتغطى الضمير، ثم تسخر العقل والبدن لإرضاء الأثرة، ومسايرة الحقد والغلب، وطلب الانتصار بأية وسيلة .. ولعل قول رسول الله: " إن البغضاء هى الحالقة " أى: التى تحلق الإيمان والفضيلة والأخوة، لعله يشير إلى هذه النتائج القاتمة .. والاختلاف في الرأى طبيعة بشرية لا يمكن مصادرتها. ولكى تبرد الحرارة التى قد تصحب هذا الخلاف، خصوصاً في شئون الدين، يجب أن توفر هذه العناصر:

1 - سعة المعرفة، وغزارة المادة العلمية، والاطلاع على أكبر قدر من حقائق الحياة ومذاهب الفلاسفة والعلماء. فإن العقل الضيق أسوأ شئ في تصور الأمور والحكم عليها. ص _213

ظلام من الغرب · الصفحة ٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ظلام من الغربص ٢١٢