وهكذا أصبحت في الفنون الإسلامية موضوعا زخرفيا فحسب، وقد يقصد بها التنبيه إلى خطر شأن الشخص الذي ترسم حول رأسه، وكان الفنانون المسلمون يرسمونها في البداية مستديرة أو شبه مستديرة؛ ولكنهم، بعد أن زاد اتصالهم بالفنون الصينية وعرفوا تماثيل بوذا في آسيا الوسطى أصبحوا يرسمونها أحيانا غير منتظمة الشكل فتبدو بيضية ولكن يمتد منها اللهب أو أشعة النور (انظر شكل
42 )؛ ولا غرو فإنها كانت قد تطورت في الشرق الأوسط، وبعدت في بعض الأحيان عن شكلها المستدير.
ومهما يكن من الأمر فقد ترك المسلمون استعمالها فترة من الزمان، حتى عادت إلى الهند على يد الآباء اليسوعيين البرتغاليين الذين حملوا إلى تلك البلاد صورا مسيحية كثيرة، أعجب الإمبراطور جهانكير بالهالة المقدسة فيها، فاتخذها شارة تميز صورة الإمبراطور من سائر الصور، وأصبحت من بعده وقفا على صور الأباطرة في رسوم المدرسة الهندية المغولية.
61 (15) الأختام الصينية المربعة والخط الكوفي المستطيل
أعجب الفنانون الإيرانيون برسوم الأختام الصينية وما عليها من كتابات زخرفية الشكل. وربما كان ذلك أساس ابتكارهم كتابة الخط الكوفي المستطيل ذي الأضلاع، وترتيبه في مساحات مربعة ومستطيلة بحيث يبدو عظيم الشبه بتلك الكتابات الزخرفية الصينية. وقد ذاع استخدام الخط الكوفي المستطيل في زخرفة العمائر بين القرنين السابع والحادي عشر بعد الهجرة
62 (الثالث عشر والسابع عشر بعد الميلاد). (16) أشكال الأواني
يستطيع الإخصائيون في الفنون الإسلامية أن يتبينوا في أشكال بعض الأواني الخزفية الإسلامية تأثرا بالأشكال التي اختصت بها فنون الصين. ويزداد الشبه بين أشكال الأواني في الشرقين الأقصى والأدنى إبان العصر الصفوي في إيران. على أننا نرى رسوم كثير من الأواني الصينية في الصور الإيرانية التي ترجع إلى عصر المغول.
وفضلا عن ذلك فإن الأواني التي صنعت من المعادن - في العالم الإسلامي - على هيئة طيور وحيوانات، لها مثيلاتها في الشرق الأقصى. والحق أن صنع الإناء أو المبخرة أو صنبور الإبريق على شكل طائر أو حيوان كان أمرا ذائعا في العصور الوسطى. ولعل بدايته كانت في الشرقين الأقصى والأوسط، ثم انتقل منها إلى الشرق الأدنى وإلى أوروبا.
63 (17) الأساليب الصينية في الملابس وآلات القتال
64
ظهر أثر الأساليب الصينية في الملابس التي تبدو في الصور المخطوطة وفي الرسوم على قسط وافر من الخزف الإيراني منذ فتح المغول (القرن، 7ه/13م)؛ فقد اختفت الملابس المزركشة والمزينة برسوم الزهور والفروع النباتية،
65
التي عرفناها في منتجات المدرسة السلجوقية وفي زخارف الأويغور؛ وحلت محلها ملابس روعي في طياتها وفي صنعها إظهار الجسم الإنساني في خطوط منسجمة تناسب أعضاء الجسم وتكسبه قسطا وافرا من الحركة والحياة. ويظهر أثر الشرق الأقصى واضحا في بعض أنواع الملابس وفي القلنسوات الشبيهة بالصحن والتي لا حافة لها
béret (انظر شكل
14 )، وفي رسم العرش على طراز العروش الصينية،
66
أو رسم الطائر الذهبي فوق العروش؛ وقد كان الطائر الذهبي من شارات الملك في الصين.
67 (18) توزيع الأشخاص في الصورة
يلاحظ الإخصائيون في التصوير الإسلامي أن توزيع الأشخاص في الصور الإيرانية كان متأثرا بالأساليب الصينية منذ عهد تيمور وخلفائه، فالمعروف أن المصورين الصينيين في عصر منج (بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر بعد الميلاد) كانوا يوزعون الأشخاص في صورهم أفرادا أو جماعات صغيرة بحسب قواعد فنية قوامها التناسب وحسن الذوق، وتختلف عن القواعد المتبعة في تكوين الصور عند الأوروبيين.
ومهما يكن من الأمر فإن تأثر الإيرانيين بأهل الصين في هذا الميدان أزال عن الصور الإيرانية شيئا من الجمود الذي عرفناه فيها قبل ذلك؛ إذ إن الأشخاص لم يظلوا في الصورة جامدين وكأن لا صلة بينهم وبين ما حولهم من المناظر الطبيعية أو رسوم العمائر، وإنما أصبحوا مع ما يحيط بهم من أشجار وزهور وماء وسحاب وعمائر، وحدة فنية، فيها حركة نسبية، وتشتمل على وحدات من تلك العناصر موضوعة جنبا إلى جنب أو بعضها فوق بعض أو متداخلة بعضها في بعض؛ مما دعا الأوروبيين إلى تشبيه تكوينها بصناعة السجاد؛ لأنها تخالف الأساليب المعروفة عندهم في إنشاء الصورة على شكل هرمي وفي احترام قواعد المنظور.