ومهما يكن من الأمر فإن الإيرانيين حين أخذوا عن الصين بعض الموضوعات الزخرفية لم يفكروا في ما كانت ترمز إليه في الصين؛ بل اتخذوها للزخرفة فحسب وحوروا في أشكالها أحيانا. ومن المواضع التي استخدم فيها التنين عنصرا زخرفيا واجهة المسجد الجامع بمدينة فرامين، وقد شيده السلطان أبو سعيد سنة (722ه/1322م).
43
وفضلا عن ذلك فقد أكثروا من استخدامه في زخرفة هوامش المخطوطات.
44
أما العنقاء فلها جسم التنين ورأس الديك البري، وكانت رمز الخلود في ديانة كونفوشيوس، كما أنها كانت شارة الإمبراطورة.
45
وقد وفق الإيرانيون في استعمالها عنصرا زخرفيا، وأحسنوا رسم ذيلها ذي الريش الطويل.
والكيلين حيوان خرافي، له رأس أسد، وفي جبهته قرن واحد؛ وقد اتخذه بعض الفنانين المسلمين عنصرا زخرفيا؛ كما رسموا - فضلا عن هذا كله - طائرا غريبا يسبح في السماء جارا ذيله الطويل؛ ويظهر ليبعث الرعب في النفوس أو لنجدة بطل في الشدة.
وقد ذاع استخدام رسوم الحيوانات الخرافية في صور المخطوطات، كما أقبل عليه المصورون في الرسوم الحائطية التي كانوا يزينون بها الجدران في القصور الإيرانية إبان العصرين التيموري والصفوي.
46
وكان من أبواب بغداد باب يعرف باسم «باب الطلسم» يرجع إلى عصر الخليفة العباسي الناصر (575 إلى 622ه/1180 إلى 1225م). وفوق عقد هذا الباب نقش بارز يمثل رجلا جالسا وقابضا بيديه على لساني تنينين مجنحين، وقد التف ذيل أحدهما في زاوية العقد اليمنى وذيل الآخر في الزاوية اليسرى (انظر شكل
23 ). وذهب بعض علماء الآثار الإسلامية في بداية القرن الحالي إلى أن هذا النقش يمثل الخليفة الناصر ويسجل انتصاره على عدوين من أعداء دولته. غير أن هذه نظرية صعب تصديقها، وليس لدينا ما يؤيدها، بل إن الأستاذ إرنست ديتز
Ernst Diez
وازن بين هذا النقش ونقش آخر يشبهه كل الشبه، في باب بحائط كبير شمال غربي بكين، واستنبط أن نقش باب الطلسم منقول عن موضوع زخرفي كان معروفا في شمال الهند وفي الشرق الأقصى.
47
ونحن نميل إلى تأييد الأستاذ ديتز، ولا سيما أننا نعرف في الصور الإيرانية أمثلة لاستعمال رسم التنين عنصرا زخرفيا لملء زوايا العقود.
48
والمعروف أن ثلاثة أبواب في قلعة حلب مزينة بزخارف بارزة، ونرى على أحد هذه الأبواب حيتين طويلتين جسماهما مشتبكان ومجدولان وينتهيان من الجنبين برأس تنين ذي أذنين مدببتين وفم مفتوح يخرج منه صفان من الأسنان ولسان متشعب.
49
ومن الصور الهندية المشهورة واحدة ترجع إلى عصر الإمبراطور جهانكير (1014-1037ه/1605-1627م)، ولعلها تمثل احتفالا في أيام تتويجه. وعلى هذه الصورة إمضاء راسمها المصور منوهر، وقوام هذه الصورة فيلان من فيلة الدولة يسيران في مكان الشرف من الموكب، وعلى أحدهما شعار جهانكير وهو الأسد والشمس (من أصل إيراني)، أما الثاني فيحمل علما إمبراطوريا عليه رسم تنين وعنقاء، وهو مشتق من الصين، وعلى الوجه الآخر للعلم رسم النمر ووحيد القرن، فيتم بهما رسم الحيوانات الأربعة المقدسة عند الصينيين، فضلا عن أننا نرى فوق الفيلين غطاءين من نسيج ذي زخارف صينية.
50
ويظهر أثر الأساليب الفنية الصينية واضحا في السجاجيد الإيرانية المزينة برسوم الصيد والحيوانات، فقد استعمل الفنانون في زخرفتها كثيرا من رسوم الحيوانات الخرافية الصينية الأصل، فضلا عن رسوم السحب الصينية التي سيأتي ذكرها (انظر شكل
27 ). (ب)
رسوم السحب الصينية (تشي
Tschi
أو
Tai )، وهي زخرفة إسفنجية الشكل، يظن أنها كانت في الشرق الأقصى رمزا لعنصر من عناصر الطبيعة كالسحب والبرق، وقد اقتبسها الفنانون المسلمون وزادوا في تعاريجها الدقيقة واشتقوا منها أشكالا أخرى وحوروها حتى اتخذوا منها في بعض الأحيان زخرفة على شكل قبلة محراب في سجادة من سجاجيد الصلاة المصنوعة في آسيا الصغرى.