34
ولا ننسى في هذه المناسبة أن رسم الصور الشخصية في المدرسة الهندية الإسلامية قام إلى حد كبير على أكتاف أستاذ فارسي هو: المصور عبد الصمد.
35
وصفوة القول أننا نذهب إلى أن التأثر بالأساليب الفنية الصينية كان له أكثر الفضل في نجاح الفنانين الإيرانيين، ثم الهنود من بعدهم، في الوصول إلى رقم صور شخصية تبدو فيها سحنة الأفراد الذين أراد الفنانون تصويرهم، ويمكن بوساطتها تمييزهم، إذا رأينا صورا أخرى لهم. (7) التعبير عن الحركة والحياة في الرسم
كان للأساليب الصينية أثر كبير في تعليم الفنانين في شرق العالم الإسلامي التعبير عن الحركة في رسومهم، فأخذت الحياة تدب في رسوم الحيوان والنبات، كما كسبت الصور الآدمية قسطا وافرا من المرونة والرقة،
36
ولم تعد رسما تخطيطا مجردا وملخصا فحسب، وقد كانت الرسوم والصور الإيرانية، قبل التأثر بالفنون الصينية عليها مسحة من الجمود؛ وتبدو كأنها عناصر زخرفية وتوضيحية قبل كل شيء، أما بعد ذلك فقد زال عنها قسط وافر من الجمود والبساطة، بل دب إليها في بعض الأحيان - عدا الحركة والحياة - شيء من روح المزاح والتهكم. (8) الرسوم التخطيطية بالمداد
كانت الرسوم التخطيطية بالمداد من المميزات الفنية الصينية في عصر سونج (960-1278م). وقد نسج بعض الفنانين الإيرانيين على منوالها؛ كما نرى في مخطوط من كتاب جامع التواريخ للوزير رشيد الدين، محفوظ في الجمعية الآسيوية بلندن وفي مكتبة جامعة أدنبرا.
37
وقد مر بنا أن المصورين في المدرسة الصفوية الثانية قلدوا أهل الصين في رسم الصور بدون ألوان أو بألوان قليلة جدا. (9) هدوء الألوان
أحب الفنانون الإيرانيون الألوان البراقة، ولم يجتنبوا في البداية التباين والتنافر والشذوذ في ما استعملوه منها؛ ولكنهم تأثروا بعد ذلك بالفنون الصينية فخففوا من ذلك التنافر والتباين؛ ومالت ألوان رسومهم في بعض الأحيان إلى الهدوء والانسجام. أما المسلمون في الهند فإنهم اتخذوا الألوان الهادئة والداكنة، فصارت من مميزات التصوير عندهم. ومهما يكن من الأمر فقد كان المصورون الهنود ينسجون في بعض رسومهم على منوال المصورين الصينيين، كما يظهر من وصف الكاتب عبد الرزاق الذي كان عضوا في بعثة من بعثات شاه رخ، والذي كتب عن صور بعض المعابد الهندية أنها كانت على أسلوب الغربيين والصينيين،
38
والمعروف كذلك أن التأثر بالأساليب الفنية الصينية كان جليا في منتجات المصور فروخ بك الذي التحق بخدمة الإمبراطور الهندي أكبر خان سنة 1585 ميلادية.
39
وعلى كل حال فإن المصورين الهنود لم يكونوا أقل من سائر الفنانين المسلمين إعجابا بزملائهم من أهل الشرق الأقصى.
40 (10) احتمال الفراغ
أمكن الفنانين المسلمين - بعد تأثرهم بالأساليب الفنية الصينية - أن يشذوا في بعض الأحيان عن القاعدة التي نعرفها في الفنون الإسلامية عامة، وهي الهرب من الفراغ والعمل على تغطية التحفة كلها بالرسوم والزخارف؛
41
فقد فهموا بوساطة التحف الصينية أن بعض الألطاف - ولا سيما في الخزف - لا تفقد شيئا من جمالها وروعتها إذا كانت ذات لون واحد فقط أو ذات زخرفة بسيطة لا تغطي من مساحتها إلا جزءا تتفاوت مساحته؛ ولذا فإننا نرى في العالم الإسلامي - بعد تأثر الفنانين بالأساليب الفنية الصينية - كثيرا من التحف ذات الزخارف القليلة أو التي لا زخارف عليها قط. (11) الموضوعات الزخرفية الصينية
نقل الفنانون المسلمون بعض الموضوعات الزخرفية عن الفنون الصينية. ومنها ما يأتي: (أ)
رسوم الحيوانات الخرافية وشبه الخرافية،
42
كالتنين
Dragon ، والعنقاء
Phenix ، والكيلين
Kilin ، والغرنوق
Crane .
أما التنين فقد رسم الصينيون والإيرانيون أنواعا مختلفة منه؛ وله في معظم الأحيان جناحا نسر، وبراثن أسد، وذيل ثعبان، كما أن نفسه يخرج في هيئة سحب، ولذا فإننا نرى التنين في أغلب رسومه يسبح بين السحب. أما جسمه الممتد فمغطى بالقشر، وفي رأسه قرنان، وفي فمه سنان حادان. والظاهر أن للتنين معنى رمزيا في ديانة كونفوشيوس، كما أنه كان شارة الإمبراطورية في الصين.