ومن الصور التي وصلتنا، والتي نرى فيها العناصر الصينية والإيرانية جنبا لجنب، بدون أن تختلط أو تكون وحدة متماسكة، نقول: من تلك الصور واحدة كانت في مجموعة فيفر
Vever ، وتمثل فرع شجرة مورقا ومزهرا وعليه عصفور، وتبدو هذه المجموعة كأنها صينية من عصر منج؛ ولكن رسم تحتها خسرو وشيرين الحبيبان الإيرانيان، بملابس فارسية ووجهين صينيين، حتى ليصعب الجزم بأن المصور كان إيرانيا قلد الصناعة الصينية أو صينيا قلد الرسوم الإيرانية
18 (شكل
30 ).
وكذلك كان المصورون في المدرسة الصفوية الثانية - ولا سيما بين عامي 1570 و1610 - مغرمين بتقليد الصور الصينية ورسم الصور بدون لون أو بلون قليل جدا، وكان على رأس هذه المدرسة رضا عباسي وولي جان وصادق، على أنهم انصرفوا إلى تقليد الصور والرسوم الموجودة على الحرير الصيني الذي كان ذائع الانتشار في ذلك الوقت، ولم يقلدوا اللوحات الفنية الصينية إلا نادرا.
19 (3) السحنة المغولية
من المعروف أن المسلمين في الشرق الأدنى لا ينتمون إلى الجنس المغولي الأصفر، ومع ذلك كله فإنهم - بعد أن زاد اتصالهم بالشرق الأقصى سياسيا وثقافيا وتجاريا - أقبلوا على جعل السحنة في رسم الأشخاص، على تحفهم وفي مخطوطاتهم، مغولية إلى حد كبير جدا،
20
فأصبحت مميزات الجنس الأصفر، ولا سيما العيون المستطيلة الضيقة، ظاهرة على التحف الإسلامية إلى حد كبير جدا، حتى إن تلك التحف تبدو كأنها صينية لذوي الثقافة الفنية العادية (انظر الأشكال
1
و
2
و
14
و
16
و
17
و
18
و
29 ). (4) التجاوز عن تحريم التصوير
كان أهل إيران أكثر الشعوب الإسلامية مخالفة للتعاليم الدينية الإسلامية بشأن كراهية تصوير الكائنات الحية، ولا ريب في أن ذلك يرجع إلى أنهم شعب ميال للفن بفطرته، وإلى أنهم يشعرون بأن تحريم التصوير في فجر الإسلام كان يقصد به تجنب عبادة الأوثان، فلا بأس به بعد أن ثبتت دعائم الإسلام؛
21
كما أنهم آريون لا يخشون الصور ولا ينسبون لها قوى سحرية كما يفعل معظم الساميين، فضلا عن أنهم ورثوا أساليب فنية في النقش والتصوير عن أسلافهم من الكيانيين والساسانيين؛ وكانوا لا يفهمون أن في التصوير مضاهاة لخلق الله عز وجل، وأن تقليد الخالق أمر لا يجوز،
22
وأن تصوير المخلوقات وعمل التماثيل لها تخليد لأعراض زائلة لا يجب التفكير فيه لأن الخلود لله وحده.
ولكن الذي لم يفطن إليه كثير من الباحثين هو أن الصلة الوثيقة التي قامت بين إيران والصين كان لها أثر كبير في نمو التصوير في شرق العالم الإسلامي وفي أن إيران لم تترك ما عرفته قبل الإسلام من صور ونقوش. ولا غرو، فإن السلاجقة والمغول - بثقافتهم الفنية الصينية - كان لهم فضل كبير في تشجيع الإيرانيين على عدم الاكتراث بتحريم التصوير، اللهم إلا في حالات نادرة، والحق أننا، إذا تذكرنا أن ما عرفته إيران قبل عصر المغول من تصوير المخطوطات لم يكن شيئا مذكورا بالنسبة لما عرفته في العصور التالية، أدركنا ما كان للمغول من أثر في هذا الميدان، إلى جانب الثقافة الفنية الإيرانية القديمة.
بل إننا نعتقد أيضا أن التفكير في تصوير النبي - عليه السلام - ربما كان مصدره الصين، فكلنا نذكر ما يزعمونه من أن رسول ملك الصين قد رسم صورة الرسول سرا، وأن ابن وهب القرشي قد زار بلاط ملك الصين ورأى فيه صور الرسل وبينها صورة محمد عليه السلام، ولا ننسى في هذا المقام أن الفنانين لم يحاولوا في فجر الإسلام أن يصوروا أي حادث من السيرة النبوية؛ فإن أقدم الصور التي نعرفها من هذا النوع لا ترجع إلى ما قبل القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)،
23
وعندنا أن المصورين الإيرانيين حين عمدوا إلى رسم صور خيالية للنبي
صلى الله عليه وسلم
كانوا متأثرين بما سمعوه عن صور النبي في الصين وعن تصوير البوذيين والمانويين - فضلا عن المسيحيين - لآلهتهم ورسلهم وقديسيهم. (5) الدقة ومحاكاة الطبيعة في رسوم الحيوان والنبات