تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أخذ الفنانون المسلمون عن الأساليب الفنية الصينية العمل على محاكاة الطبيعة بدقة وإتقان في رسوم الحيوانات المختلفة والزهور والنبات. والمعروف أن الشرق الأدنى كان منذ العصور القديمة غنيا في استخدام الزخارف الحيوانية، وكانت هذه الزخارف مما ورثته الفنون الإسلامية؛ ولكن المسلمين كانوا لا يعنون في البداية برسم الحيوان صورة مطابقة لطبيعته ومعبرة عن أجزائها المختلفة تعبيرا صحيحا من الوجهة العلمية؛ ولذا كانت صور الحيوان عندهم جافة وقد تبدو مشوهة أو غير طبيعية، وقد يصعب تمييز الحيوان الذي قصد الفنان رسمه أو عمل التحفة على شكله. ولكنهم، بعد أن تأثروا بدقة الصينيين في رسم الحيوان والطير وصلوا منذ القرن الثامن الهجري (14م) إلى تقليد الطبيعة تقليدا صادقا، فاكتسبت رسوم الحيوان في التحف الإسلامية قسطا وافرا من الإتقان والرقة والمرونة؛

24

كما أخذ الفنانون المسلمون عن الصين رسوم الطير يسبح في الهواء فيكسب الصورة حياة حركة.

25

وكان الحال كذلك في الرسوم النباتية، وحسبنا أن نوازن رسوم النباتات والأزهار في التحف الإسلامية المصنوعة في فجر الإسلام بما صنع منها بعد فتح المغول، لندرك التطور الواضح. والواقع أن الزخارف النباتية في شرق العالم الإسلامي بدأت منذ القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) في أن تكون صورا دقيقة من الطبيعة، ونقل الفنانون عن الصين بعض النباتات المائية، وزادوا في أنواع الزهور التي استعملوها في زخارفهم.

أما الصور الآدمية فلسنا نستطيع أن نرى فيها تأثرا كبيرا بالأساليب الفنية الصينية من ناحية الدقة والإتقان. حقا إنها كسبت شيئا من المرونة والحركة سوف نتكلم عنه، ولكنها لم تظفر من الناحية التشريحية بتطور يستحق الذكر. ولا غرو فإن الصين نفسها لم تكن تختلف كثيرا عن إيران من هذا الوجه، فإنهما معا كانا على عكس الفن الإغريقي والفنون التي انحدرت منه، وبيان ذلك أن الفن الإغريقي كان قوامه رغبة الفنان في الوصول إلى تمثيل كل أجزاء الجسم الإنساني ونقلها نقلا دقيقا تكاد تراعى فيه مبادئ علم التشريح كاملة.

26

ولا غرابة فقد كانت بيئة الإغريق وعاداتهم ونشاطهم العقلي الحر سببا في ذلك كله؛ فأصبح المثل الأعلى للفنان الإغريقي أن يكون التمثال أو الصورة التي ينتجها تمثل الشيء المصور في كل أجزائه. بينما لم تحاول سائر الشعوب القديمة أن تصنع صورا وتماثيل تراعى فيها الدقة والصدق ومبادئ التشريح وعلم الجمال وقوانين المنظور والكيفية التي تبدو بها الأشياء للعين. فأهل الشرق الأدنى والشرق الأقصى لم يكن من شأن بيئتهم أو نوع نشاطهم العقلي وحب الاستطلاع عندهم أن تتجه بالصور والتماثيل إلى الناحية الإغريقية في صدق تمثيل الطبيعة، بل اكتفى الفنانون عندهم بالعناية بالأجزاء التي تبدو لهم ذات شأن خطير أو مغزى، فكانوا بذلك دون زملائهم الغربيين في الوصف الفني والتحليل. (6) رسم الصور الشخصية

Portraits

كان الفقهاء يعتبرون التصوير أو عمل التماثيل محاولة لمضاهاة الخالق - عز وجل - وتقليد عمله، وكان ذلك من أسباب كراهية تصوير الكائنات الحية وعمل التماثيل لها. حقا إن بعض قطع العملة التي ترجع إلى عصر الخليفة عبد الملك بن مروان كان عليها رسم الخليفة يحمل سيفا، ولكن لا شك في أن هذا الرسم لم يكن صورة شخصية بل كان رسما رمزيا يمثل خليفة المسلمين، وقد ضربت مثل هذه الدنانير ذات الصور تقليدا للعملة البيزنطية التي كانت منتشرة في الشرق الأدنى والتي كان عليها صورة إمبراطور بيزنطة، ورغبة في ألا يجد الشعب فرقا كبيرا بينها وبين سائر العملة التي عرفها قبل ذلك، ومع ذلك فإن عبد الملك بن مروان لم يلبث أن أمر بسك العملة بدون أي رسم آدمي عليها.

الصين وفنون الإسلام · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصين وفنون الإسلامص ١٤