تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا ريب أننا - بعد هذه النصوص المختلفة - نرى أن أثر الأساليب الصينية في الفنون الإسلامية لا يدل على سيطرة الصين، ولم يكن مصدره معظم الأحيان سيادة عناصر ذات ثقافة صينية في شرق العالم الإسلامي، وإنما يشهد بإعجاب المسلمين - ولا سيما أهل إيران - بتلك الأساليب، وخير دليل على هذا أن الأثر الصيني في الفنون الإيرانية ظل ملموسا في عصور ازدهرت فيها الروح القومية الإيرانية كعصر الدولة الصفوية مثلا.

| مظاهر الأثر الصيني في الفنون الإسلامية

(1) الورق

إذا تذكرنا أن الخط الجميل والتصوير في المخطوطات ميدانان من أهم ميادين الفن الإسلامي، أدركنا ما كان للورق من شأن خطير في تطور هذا الفن. والمعروف أن الصينيين كانوا ينتجون أحسن أنواع الورق،

1

كما كان للخط الجميل عندهم منزلة عظيمة، فقرنوه بالأعمال الإلهية المقدسة.

وقد تعلم العرب صناعة الورق على يد صناع من الصين أسرهم المسلمون حين فتحوا سمرقند في نهاية القرن الأول بعد الهجرة (بداية القرن الثامن الميلادي)، أو - في قول آخر - على يد صانع صيني، أسره زياد بن صالح حاكم تلك المدينة سنة (134ه/751م).

2

وقد كان العالم الإسلامي يستورد من الصين بعد ذلك ضروبا فاخرة من الورق لم يصل المسلمون إلى صنع مثلها. (2) تقليد التحف الصينية

أقبل الفنانون في الشرق الإسلامي على تقليد التحف الصينية، وأصابوا في بعض الأحيان نجاحا يتفاوت مداه، ولا ريب في أن بدء هذا التقليد يرجع إلى فجر الإسلام، وقد ظل قائما حتى القرن الثاني عشر الهجري (18م).

ففي سامرا (3ه/9م) عرف الخزفيون المسلمون مزايا الخزف الصيني، وعملوا على إنتاج خزف يشبهه؛ كما تشهد بذلك القطع الخزفية التي عثر عليها في أطلال تلك المدينة.

3

كما وجد في حفائر الفسطاط، إلى جانب الخزف الصيني الصحيح، خزف أنتجه الخزفيون المصريون تقليدا للخزف المصنوع في الشرق الأقصى.

ويرجع تقليد الخزف الصيني في مصر إلى العصر الفاطمي، فقد حاول الخزفي المشهور «سعد»، ومن نسج على منواله من أتباعه وتلاميذه؛ أن يصنعوا نوعا من الخزف ذي الزخارف المحفورة تحت الدهان، كانوا يقلدون به خزف «سونج» الصيني،

4

ولكن تقليد الخزف الصيني لم تتسع دائرته في مصر إلا في عصر المماليك.

5

وكتب البيروني (المتوفى سنة 440ه/1047م) في كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» عن تقليد الخزف الصيني في إيران، وتحدث عن صديق له في مدينة الري كان عنده عدد وافر من الأواني المصنوعة من الخزف الصيني.

6

وقد قلد الخزفيون الإيرانيون - ولا سيما في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) - بعض ضروب الخزف المصنوع في الشرق الأقصى، على رأسها نوع امتاز بدهانات متعددة الألوان تغطي سطح الإناء، وذاع استعمال هذا النوع في عصر أسرة تنج،

7

وأصاب المسلمون في تقليده توفيقا كبيرا حتى لقد يصعب في بعض الأحيان أن نميز لأول وهلة القطعة الصينية الأصلية من التي صنعت تقليدا لها على يد الصناع المسلمين.

وقد وجدت قطع من هذا الخزف الأخير في أطلال مدن الري والسوس وإصطخر وساوة، وفي بعض البلاد بإقليمي مازندران وتركستان، والألوان المستعملة في هذا الخزف كثيرة وجميلة ويسودها الأسمر والأصفر والأخضر، وقد نرى بعض زخارف من دوائر ورسوم نباتية محفورة تحت الدهان ولكنها لا تظهر بوضوح؛ لأن أول ما يلفت النظر في هذا الخزف هو ألوانه المختلطة البديعة، وهو يرجع في الغالب إلى القرنين الثاني والثالث وفي بعض الأحيان إلى القرن الرابع بعد الهجرة (العاشر الميلادي).

ومن أنواع الخزف الصيني الأخرى التي قلدها المسلمون الخزف الأبيض الخالص، فكانوا يصنعون منه الصحون والسلطانيات ذات الحافة المشطورة بأقواس متقابلة.

8

وقد أصاب بعض الخزفيين نجاحا وافرا في إتقان هذا التقليد (انظر شكل

الصين وفنون الإسلام · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الصين وفنون الإسلامص ١١