تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووضع العثمانيون لحكم مصر نظاما يقضي بتوزيع الحكم بين الوالي العثماني، وديوان مكون من ضباط جيش الاحتلال على أن تبقى السلطة الإدارية المحلية في يد (البكوات) أمراء المماليك، وكان الغرض من هذا التوزيع منع حكام وادي النيل من الاستقلال عن الباب العالي، ولكنه لم يستمر أكثر من قرن واحد، إذ دب الضعف في الدولة العلية، وزادت سلطة المماليك في مصر. والحق أن الحكم العثماني في وادي النيل من بداية الفتح إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري (18م) كان فترة ركود، بل كان من أظلم العصور في التاريخ المصري عامة، وليس فيه ما يستحق الذكر إلا ظهور علي بك الكبير واستقلاله بمصر سنة 1183ه/1769م.

ولم تكن مصر لتبقى بعيدة عن الثورة الفرنسية وآثارها الدولية فغزاها نابليون سنة 1798 ميلادية، وكانت الحملة الفرنسية على مصر ثم ظهور محمد علي فاتحة التاريخ المصري الحديث، وإيذانا باندماج وادي النيل في زمرة الأمم الحديثة بدون أن يفقد صلته بالعالم الإسلامي.

مصر والأحداث السياسية في العالم الإسلامي

ولعل من وسائل البحث في نصيب مصر في تطور الحضارة الإسلامية أن نعرض سريعا الأحداث السياسية العظيمة التي كان لمصر فيها شأن خاص.

ولنبدأ بالثورة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فإن الاستياء من سياسته كان شديدا في مصر، وأتيح لعبد الله بن سبأ - أكبر الدعاة ضده - أن يجد في مصر مرتعا خصيبا لدعوته، وساعد على نجاحها في وادي النيل أن انضم إليه نخبة العرب في مصر كمحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة، بل انضم إليها عمار بن ياسر، وهو رسول عثمان إلى مصر لتهدئة الحال، والبحث في أسباب السخط، ولكن الثائرين استمالوه إلى جانبهم. وخرج من مصر وفد من الثوار في نحو ستمائة رجل انضم في المدينة إلى سائر وفود الثوار من الأمصار، ولكن كان له الشأن الأكبر في مقتل عثمان،

4

فبدأت بذلك الحرب الأهلية في الإسلام إذ قام النزاع على الخلافة بين علي ومنافسيه طلحة والزبير، ثم بينه وبين معاوية، وكان عمرو بن العاص على رأس أنصار معاوية، ولعله كان يطمع في العودة إلى حكم مصر بعد أن عزله عثمان وولى عبد الله بن سعد. وقد أتيح لعمرو أن يخضع مصر لمعاوية، فأقره واليا عليها، بل أقطعه إياها، وأطلق يده في إدارة شئونها.

أما الدولة الطولونية فكانت أقدم مثل لاستقلال العنصر التركي بحكومة في قلب العالم الإسلامي، وقد تلتها أسرات تركية أخرى، ولكن ابن طولون هو الذي شق الطريق وأظهر إلى أي حد يمكن لحاكم قوي أن يصل إلى السلطان السياسي والحربي في إمبراطورية إسلامية اتسعت أرجاؤها حتى أصبح من العسير على الخلفاء الضعفاء أن يحتفظوا بنفوذهم فيها.

ومما نلاحظه في التاريخ الإسلامي عامة أنه وحد بين الأقاليم المختلفة في الشرق الأدنى وشمالي إفريقية، ونجح في تكون إمبراطورية كبيرة، ولكن تفككت أجزاؤها ثانية، وعادت هذه الأقاليم إلى استقلالها بفضل جهود أمراء قد يكونون غرباء عنها. ولا نكاد نرى في العالم الإسلامي أن إمارة صغيرة كانت نواة لدولة كبيرة نشأت بالاتساع، وغزو جيرانها، والاتحاد بغيرها كما كان سهل لا تيوم نواة للإمبراطورية الرومانية، وكما كانت دوقية براندنبرج الأصل في تكوين مملكة بروسيا، ثم الإمبراطورية الألمانية.

5

وأصبحت مصر في عصر الفاطميين عاصمة إمبراطورية شيعية كبيرة، على حين أن إيران لم يصبح المذهب الشيعي دين الدولة الرسمي فيها إلا بعد ذلك بنحو خمسة قرون. والحق أن دعوة القرامطة وحركتهم الثورية كانت في الشرق الأدنى إرهابية غير موفقة، ولكنها تمخضت في شمالي إفريقية عن نظام حكومي سليم على يد الفاطميين.

ولما انتقل الفاطميون إلى مصر أتيح لوادي النيل أن يكون مركزا من المراكز الثلاثة التي انقسم إليها العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتي كان على رأس كل منها خليفة من الأسرات الثلاثة الرئيسية في الإسلام: خليفة عباسي في بغداد، وخليفة فاطمي علوي في مصر، وخليفة أموي في الأندلس. ولم يعد لمصر استقلالها فحسب بل أصبحت ندا ومنافسا للخلافة العباسية نفسها.

مصر والحضارة الإسلامية · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والحضارة الإسلاميةص ٥