ومما يستحق الذكر أن مصر لم تنقل عنوة إلى المذهب الشيعي على يد الفاطميين، فإن القائد جوهر أخذ على نفسه في العهد الذي نشره على المصريين يوم الفتح أن يترك لهم الحرية الدينية،
6
ولكن الفاطميين أقبلوا بعد ذلك على نشر دعوتهم في المساجد وبوساطة المكتبات ودور العلم وغيرها، وأصابوا في ذلك نجاحا كبيرا بدون أن يلجأوا إلى العنف، اللهم إلا في عهد الحاكم بأمر الله حين اضطر السنيون إلى دفع الجزية.
7
وشيد الفاطميون القاهرة التي ازدهرت، وأصبحت من أعظم مدن العالم في العصور الوسطى. وقد زارها الرحالة الفارسي ناصر خسرو سنة 439ه/1047م في عصر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وأبدع في وصف عمائرها وثروتها، وقال إنه لو أفاض في وصفها لما صدقه أحد من أهل إيران، وكان للفاطميين من الكنوز الفنية ما عقد المقريزي لوصفه الصفحات الطوال في كتابه «المواعظ والاعتبار»،
8
كما كانت مكتبة القصر أعظم المكتبات في العالم كله، وضرب معظم الخلفاء الفاطميين للمسلمين أحسن الأمثلة في التسامح الديني.
أما في عصر الدولة الأيوبية، فقد استطاع صلاح الدين أن يوقع بالصليبيين الهزيمة الساحقة في واقعة حطين، ثم فتح بيت المقدس، وجعل مملكتهم في الشام تنكمش، ولو توفر له أسطول قوي لقضى عليها نهائيا. وقد غزا الصليبيون مصر في العصر الأيوبي، ونجحوا مرتين في الاستيلاء على دمياط: الأولى سنة 615ه/1218م، وقد هزمهم بعد ذلك الملك الكامل في المكان الذي أطلق عليه بعد ذلك اسم «المنصورة» إشارة إلى هذا النصر، وبرغم الفظائع الكثيرة التي أتاها الصليبيون في دمياط فإن السلطان الأيوبي الملك الكامل كان شديد التسامح معهم فأكرم أسراهم ومنحهم هدنة طويلة؛ حتى أنهم كتبوا إليه بعد إخلاء دمياط يعترفون بكرمه وحسن معاملته، ويذكرون له نقله المرضى والعجزة على نفقته، وأنه منع إهانة المسيحيين بالقول أو الإشارة. أما المرة الثانية التي استولى فيها الصليبيون على دمياط، فكانت في الحملة الصليبية التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647ه/1249م، وتقدم لويس بجيشه إلى المنصورة، ولكنه أسر في واقعة فارسكور ومعه معظم الأشراف من رجال جيشه، ولم يفك أسرهم إلا بعد فدية عظيمة، وقد أضعف فشل هذه الحملة روح الصليبيين إلى أبعد حد.
وكان للأيوبيين وعلى رأسهم صلاح الدين الفضل في إرجاع المذهب السني إلى مكانته الأولى في الشرق الأدنى بعد أن أضعفه الفاطميون إلى أبعد حد، ومن أعظم منشآت الأيوبيين في الشام ومصر المدارس، وأول ما نشأت المدرسة بهذا الاسم كان على يد السلاجقة في إيران، وانتقلت منها إلى مصر والشام على يد الأيوبيين، وكان من أول أغراضها نشر التعاليم السنية، وتخريج الأساتذة والموظفين المخلصين للمذهب السني، والذين يعملون على محاربة التعاليم الشيعية ... وفضلا عن ذلك فإن سلاطين الأيوبيين كانوا ذوا مقدرة سياسية يحسنون المفاوضات مع المسيحيين، ويعقدون مع بعضهم الاتفاقات الحربية، والمعاهدات التجارية التي تعود على مصر بالنفع العميم.
ويلوح أن تطورا جديدا نشأ على يد الأيوبيين في العلاقة بين مصر والشام، فإن الأخيرة لم تعد إقليما يفتحه أمراء مصر الأقوياء، ويحكمونه من مصر نفسها، بل كان سلاطين الأيوبيين حكاما على مملكة إسلامية في الشرق الأدنى قوامها مصر وسورية متحدتين، وكذلك كان الحال في عصر المماليك، والميزة الأولى للأيوبيين أنهم حموا مصر والعالم الإسلامي من هجمات الصليبيين، ولكن الذين وجهوا الضربات القاضية إلى الصليبيين هم السلاطين المماليك. فالسلطان الظاهر بيبرس البندقداري بزغ نجمه في عصر سلفه السلطان قطز حين تولى قيادة الجيش المملوكي الذي أوقع بالمغول هزيمة حاسمة في معركة «عين جالوت» بفلسطين سنة 657ه/1259م.