3
والحق أن هذه الأقاليم الواسعة التي أرسل الخليفة إلى صلاح الدين تقليدا بتوليتها لم تكن خاضعة للخلافة العباسية تماما، ولم يكن للخليفة أي سلطان فعلي عليها، ولكنه كان يطرب لطلب صلاح الدين ويسره أن يرى لنفسه ظلا من سلطان الخلفاء السابقين، ذلك السلطان الذي فقده خلفاؤه منذ تفككت إمبراطوريتهم، وقامت على أنقاضها الدويلات الصغيرة.
على أن هذه الدولة الواسعة التي بناها صلاح الدين، وامتدت من الدجلة إلى وادي النيل لم تلبث أن قسمت بين أولاده وإخوته، واستطاع أخوه العادل سيف الدين أن يتفق مع العزيز أحد أبناء صلاح الدين، وأن تصبح له المكانة الأولى، فيضم إلى مصر غيرها من أملاك صلاح الدين. وطلب العادل من الخليفة العباسي الناصر لدين الله تقليدا بحكم مصر والشام، وسائر البلاد التي تحت حكمه، فجاءه هذا التقليد مع الخلع الثمينة له ولأولاده، وكبار رجال دولته، وتم تسليم ذلك في احتفال عظيم.
ومهما يكن من الأمر فإن أمراء الأيوبيين ظلوا يحكمون الأقاليم المختلفة من إمبراطوريته الكبيرة، ولكن كلا منهم كان يخشى الآخرين، ولا يثق بهم، فاضطروا إلى مسالمة الصليبيين حينا، وعقد بعضهم مع الصليبيين اتفاقا، قوامه أن يساعدوه على منافسيه لقاء ما ينزل لهم عنه من الامتيازات، وأفاد المسيحيون من ذلك كثيرا. وحسبهم أن الملك الكامل نزل للإمبراطور فريدريك الثاني عن بيت المقدس لقاء تعهده بمساعدة الملك الكامل ضد أعدائه.
وقد وجه الصليبيون إلى مصر ثلاث حملات في عصر خلفاء صلاح الدين، ولكنهم لم يوفقوا فيها، وكان للأيوبيين الفضل في حماية وادي النيل من هذه الهجمات. وسقطت الدولة الأيوبية حين ضعف سلاطينها، وقوي شأن عبيدهم وجندهم من المماليك الذين انتهى بهم الأمر إلى القبض على مقاليد الحكم سنة 648ه/1250م. وانقضى بسقوط الأيوبيين عهد الأسرات الوراثية الحاكمة، إذ الواقع أن الوراثة لم تكن دائما القاعدة المتبعة في نظام العرش عند المماليك، ولا سيما الشراكسة منهم، بل كانت دولتهم حكومة حربية أوليجاركية، البقاء فيها للأصلح، والعرش فيها لأقوى المماليك، وأعظمهم نفوذا، وإن حدث أن أفرادا من أسرة واحدة - كأسرة قلاوون - تعاقبوا على عرش مصر فترة من الزمن. وظل المماليك البرجية أو البحرية - وهم من الترك والمغول - يحكمون وادي النيل إلى سنة 792ه/1390م، ثم خلفهم المماليك الشراكسة الذين استمر سلطانهم إلى سنة 922ه/1517م. وعلى الرغم من أن معظم سلاطين المماليك كانوا لا يمكثون على العرش طويلا، وأن المنافسات بينهم كانت تؤدي إلى الحروب الأهلية، والمؤامرات، والثورات، والسلب والنهب، وأنهم لم يراعوا نظام الوراثة في الحكم، نقول: إنهم على الرغم من ذلك كله أفلحوا في إقامة إمبراطورية إسلامية عظيمة في الشرق الأدنى، ولكن تسرب الضعف إلى سلاطينهم في نهاية القرن التاسع الهجري (15م) بسبب بعدهم عن الشعب، واستغلالهم إياه استغلالا معيبا، يعود عليهم بالمال الوفير، ويترك الشعب في بؤس شديد، فضلا عن أن الخراب المالي حل بالبلاد عندما كشف فاسكودي جاما طريقا جديدا للوصول إلى الهند حول رأس الرجاء الصالح، فتحولت التجارة إلى هذا الطريق، وضاعت على المماليك وعلى مصر المكوس التي كانت تفرض على التجارة التي تمر في مصر وسورية، فكان ذلك ضربة قاضية على حكم المماليك، وفاتحة لانتهاء دولتهم.
وكانت الدولة العثمانية الفتية تطمع في الاستيلاء على مصر، واستطاع السلطان سليم الأول أن ينتحل المعاذير، فأخذ على المماليك أنهم كانوا يجيرون من يلتجئ إليهم من أعدائه، وأنهم كانوا يوالون عدوه الشاه إسماعيل الصفوي، وحارب سليم الشاه إسماعيل، وانتصر عليه، ثم انقلب يزحف على مصر ففتحها سنة 923ه/1517م، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، وانتقل مركز العالم الإسلامي منها إلى القسطنطينية.