2
ويطمئنون إلى الهدوء في أملاكهم، ولا يخشون أن تهدد مؤخرة جيوشهم. وسار جوهر الصقلي من تونس سنة 358ه/969م على رأس جيش قوامه نحو مائة ألف جندي، وسلمت الإسكندرية له، ثم لقي بعض المقاومة عند الجيزة والفسطاط، ولكنه تغلب عليها في بضعة أيام، وتم له الاستيلاء على الفسطاط بعد نحو ستة أشهر من قيام حملته من القيروان، ووضع جوهر أساس مدينة جديدة قدر لها أن تكون عاصمة الإمبراطورية الفاطمية التي امتدت من سورية إلى حدود المغرب. وورث الفاطميون فيما ورثوه عن الإخشيديين حكم مكة والمدينة. والحق أن صلة وادي النيل بالمدينتين المقدستين في الحجاز ترجع إلى بداية العصر الإسلامي منذ كانت الغلال ترسل سنويا من مصر إلى الحجاز كما كانت ترسل قبل ذلك إلى روما ثم القسطنطينية.
على أن انتقال الفاطميين إلى مصر أطلق يد عمالهم في شمالي إفريقية، فلم يلبثوا أن استقلوا تماما عن الإمبراطورية، وأسسوا أسرة بني زيري في تونس، وبني حماد في الجزائر. ولكن الإمبراطورية الفاطمية كانت قد بلغت أوج عزها في عصر العزيز، حين كان يدعى له في خطبة الجمعة بالمساجد الواقعة بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، وفي سورية والحجاز واليمن، وحين كان نفوذه يمتد إلى كل هذه الأصقاع، حتى تضاءلت الخلافة العباسية إلى جانب خلافة الفواطم، ثم بدأ الضعف يدب إلى الدولة الفاطمية على يد الخلفاء الضعفاء الذين تقلدوا أزمة الحكم بعد العزيز، وانتقل السلطان إلى يد الوزراء تدريجيا، حتى أتيح للوزير الفاطمي منذ سنة 531ه/1136م أن يتخذ لنفسه لقب «ملك»، مثل: الملك الأفضل رضوان، والملك الصالح طلائع، والملك المنصور ضرغام. وزاد الطين بلة أن الفوضى عمت بين الجند، وتفاقم التطاحن بين أجناسهم المختلفة، ومنيت البلاد بالمنافسة بين الوزراء، ونسي كل منهم أمور البلاد ونفعها في سبيل نفعه الخاص؛ فكان ذلك كله سببا في سقوط الفاطميين، ولا سيما حين قوي ساعد الصليبيين، وتطلعوا إلى فتح مصر، وعمل نور الدين صاحب الموصل على منعهم من ذلك حين طلب إليه بعض وزراء مصر مساعدته على وزراء آخرين. وصفوة القول أن الصليبيين ونور الدين سيروا الحملات العسكرية إلى وادي النيل، وتنافسوا في توطيد مركزهم فيه إلى أن استطاع شيركوه قائد جيش نور الدين أن يقتل الوزير المصري شاور، وأن يحتل مصر، ويتولى منصب الوزارة فيها سنة 564ه/1169م، ولكنه مات بعد ثلاثة أشهر، وخلفه ابن أخيه صلاح الدين، فقضى على الدولة الفاطمية، ونفذ ما أراده مولاه نور الدين فأحل اسم الخليفة العباسي المستضيء محل الخليفة الفاطمي العاضد في خطبة الجمعة، وكان الأخير على فراش الموت، وتوفي قبل أن يعرف هذا التغيير الخطير. وأسندت المناصب الدينية إلى فقهاء المذهب السني، وعادت مصر إلى هذا المذهب، ولم تكن ثمت مقاومة حتى تمت هذه العودة، «ولم ينتطح فيها عنزان» على حد قول المؤرخ أبي الفداء.
وكان طبيعيا أن تتوتر العلاقة بين صلاح الدين ومولاه نور الدين، ولكن الأول كان حكيما بعيد النظر، فاستمر على إظهار ولائه لمولاه، وكان من حسن الحظ أن توفي نور الدين سنة 569ه/1174م فخلا الجو لصلاح الدين، وأصبح حاكم مصر المستقل، بل أعظم الأمراء المسلمين على الإطلاق، وامتد حكم صلاح الدين إلى الشام ومكة والمدينة واليمن، فكتب إلى الخليفة في بغداد سنة 570ه/1175م يعدد فتوحاته، وجهاده للفرنج، وإعادته الخطبة العباسية بمصر، واستيلاءه على بلاد كثيرة في أطراف المغرب، وعلى بلاد اليمن كلها. «وطلب صلاح الدين من الخليفة تقليد مصر واليمن والمغرب والشام، وكل ما يفتحه بسيفه؛ فوافته بحماة رسل الخليفة المستضيء بأمر الله بالتشريف والأعلام السود، وتوقيع بسلطنة بلاد مصر واليمن وغيرها.»