وأفادت مصر من حكم الأسرة الطولونية وساد فيها رخاء نسبي، وأصبحت تخشاها الدولة العباسية، ويخطب البيزنطيون ودها بإرسال الهدايا النفيسة، وإطلاق الأسرى المسلمين.
1
واستطاع ابن طولون فتح سورية، وأصبحت مصر مستقلة للمرة الأولى بعد عصر البطالسة، وعاد إليها سلطانها على الشام للمرة الأولى بعد عصر الفراعنة.
واستقلت دويلات أخرى عن الخلافة العباسية، أو أصبح سلطان الخليفة عليها سلطانا اسميا فحسب، ولكن الدولة الطولونية ومعظم تلك الدويلات الأخرى لم يكن لها أساس قومي في الأقاليم التي كانت مسرحا لنشاطها، ولم يكن قيامها صدى لحركة في الرأي العام، أو خلاف في العقيدة الدينية، أو المبادئ الاجتماعية السائدة في الدولة العباسية، ولذا فليس غريبا أن نراها لا تعمر طويلا. والحق أن مؤسسي تلك الدويلات لم يكن لهم أنصار كثيرون من بني جنسهم، فكانوا في أغلب الأحيان يجمعون جيوشهم من عناصر أجنبية مختلفة، وكان مثل هذا النظام لا يمكن المحافظة عليه إلا بوساطة زعماء ذوي نفوذ شخصي عظيم كالذين يؤسسون الدويلات المذكورة، وكانت هذه الدويلات تسير في طريق الاضمحلال تدريجيا بعد ذهاب أولئك المؤسسين.
وهكذا كان طبيعيا أن تضعف الدولة الطولونية، وأن يعود حكم مصر إلى العباسيين سنة 292ه/905م، وعاد الخلفاء العباسيون يرسلون الولاة من قبلهم لحكم وادي النيل إلى سنة 323ه/935م حين استطاع محمد بن طغج التركي الأصل أن ينظم أمور مصر التي اضطربت بعد سقوط بني طولون، وحصل هذا الوالي على لقب إخشيد، وهو لقب بعض الأمراء الإيرانيين السابقين، واستطاع أن يؤسس الدولة الإخشيدية في مصر، وأن يحصل على قسط وافر من الاستقلال، ونسج على منوال ابن طولون فاستولى على سورية، ثم ضم إلى حكمه مكة والمدينة، وأصبح مصير الحجاز متصلا بوادي النيل لعدة قرون بعد ذلك.
وقد خلف الإخشيد اثنان من أبنائه، ولكنهما لم يحكما إلا بالاسم فقد كانت مقاليد الأمور بيد العبد الحبشي كافور، الذي كان أبوهما اشتراه بنحو ثمانية جنيهات، ثم أصبح قائدا في الجيش فأستاذا للأميرين، فوصيا عليهما، فأميرا على مصر بعد وفاتهما، وكان آخر أمراء الأسرة الإخشيدية صبيا في الحادية عشرة من عمره، ورث مع العرش أخطارا سياسية واقتصادية قضت على دولته: القرامطة في الشرق، والفواطم في الغرب، وملك النوبة في الجنوب، والقحط والوباء واضطراب الأمن في مصر نفسها.
أما الفاطميون، فقد كانوا منذ استقرارهم في إفريقية يتحدون العباسيين، ولا يعترفون لهم بالخلافة أو الرئاسة الدينية والسياسية، بل يرونها من حقهم، وهم نسل فاطمة وعلي بن أبي طالب. وكانوا غير قانعين بإفريقية، فعملوا على الاستيلاء على مصر لخيراتها الواسعة، وموقعها الجغرافي، وليستطيعوا فيها أن يوسعوا نطاق دعوتهم، ويمدوا نفوذ خلافتهم الشيعية.
وقد حاول أول خلفاء الفاطميين وخليفتاه من بعده أن يفتحوا مصر، ولكن الحملات الحربية التي أرسلوها لهذا الغرض فشلت في بسط نفوذهم على وادي النيل، فلجأوا إلى نشر الدعوة السرية، ولم تكن تعوزهم السبل في هذا الميدان، واستطاعوا أن يكسبوا إلى جانبهم بعض أعيان مصر، وضباط الجيش، وكتب إليهم بعض هؤلاء يدعونهم إلى فتح مصر، ويسهلون لهم أمرها، ومهما يكن من الأمر فإن شرف فتح مصر من الصحراء الغربية لأول مرة كان لجوهر الصقلي قائد الجيش الذي سيره المعز لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين. وكان الفاطميون قد مهدوا لهذا الفتح بأعمال استراتيجية لازمة لمثل هذا المشروع العظيم، فظلوا نحو عامين يمهدون الطرق، ويحفرون الآبار، ويشيدون المباني الصغيرة، ويخزنون المؤن والعتاد في الطريق من تونس إلى الإسكندرية. وكان الفاطميون يعرفون ما في مصر من فوضى وبؤس، ويثقون بنجاح دعوتهم فيها إلى حد كبير،