ولنعرج الآن على نصيب مصر من النواحي الأدبية والعلمية من الثقافة الإسلامية. والحق أن مصر كانت لها منذ البداية مكانة خاصة عند المسلمين، إذ إنها ذكرت في عدة مواضع في القرآن، وفي الأحاديث، وهي فضلا عن ذلك موطن مارية القبطية زوج النبي - عليه السلام. وقد كانت بعض الأحاديث التي تنسب إلى النبي عن «فضائل مصر» نواة لفصول في هذا الصدد كتبها المؤرخون والمؤلفون المصريون في العصور الوسطى، بل قد ألف فيه بعضهم كتبا مستقلة، ومنها كتاب «فضائل مصر» الذي ألفه عمر بن محمد الكندي لكافور الإخشيدي، والذي ينسب خطأ في بعض الأحيان إلى أبيه محمد الكندي صاحب كتاب «ولاة مصر وقضاتها».
على أننا نذهب إلى أن أكبر نصيب لمصر في الثقافة الأدبية الإسلامية إنما هو ما كتبه المصريون في التاريخ. والحق أنه ليست هناك أمة إسلامية أخرى تستطيع أن تفخر بمثل ما خلفه المصريون من دراسات في تاريخ بلادهم، وأنظمتها السياسية. والمؤرخون المصريون في العصور الوسطى لم يكتبوا في التاريخ السياسي، وفي التراجم فحسب، بل فاقوا سائر الكتاب المسلمين في دراسات الخطط والآثار، التي يعتبر المقريزي بطلها الممتاز.
ولعل شهرة المقريزي ترجع قبل كل شيء إلى كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، فهو على رأس المراجع الأساسية لمن يشتغلون بتاريخ مصر وآثارها، ونظمها في العصر الإسلامي.
ومن المؤلفين المصريين الذين كتبوا في الخطط ابن عبد الحكم، والكندي، وابن زولاق، والقضاعي، والأوحدي، ثم اقتفى أثرهم في العصر الحديث علي مبارك باشا في كتابه «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة»، والأستاذ محمد كرد علي بك في كتابه: «خطط الشام»، وهو وثيق الصلة بمصر لما كان بين البلدين من اتحاد سياسي في العصر الإسلامي.
وقد أنجبت مصر عددا وافرا من المؤرخين، وحسبنا أن نذكر ابن الحكم، وابن الداية، والكندي، وابن زولاق، وابن أبي أصيبعة، وابن الراهب القبطي، والعماد الأصفهاني، وأبا شامة، وابن واصل، والقفطي، وابن خلكان، وابن شداد، والذهبي، والمقريزي، والعيني، وابن تغري بردي، وأبا الفدا، والسخاوي، وابن إياس. ولا ننسى في هذه المناسبة أن مصر كان لها أثر ظاهر في حياة ابن خلدون، فقد ولي القضاء بها، وكتب فيها الجزء الأكبر من كتابه في التاريخ، ثم توفي بعد أن أقام بها زهاء عشرين عاما.
وقد نبغ من علماء اللغة العربية في مصر طاهر بن بابشاذ الذي تولى ديوان الإنشاء في العصر الفاطمي، وكان إمام عصره في النحو، وكذلك ابن بري، وابن الحاجب، وابن مالك الطائي. وكان ابن منظور صاحب «لسان العرب» من رجال ديوان الإنشاء بمصر في عصر المماليك، وكان للمصريين طريقة أدبية في البلاغة، ومذهب يختلف عن المذهب الفلسفي أو الكلامي الذي اتخذ في سائر الأقطار العربية،
5
والمعروف أن في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول حركة ترمي إلى العناية بدرس الأدب المصري الإسلامي، وقد اتجه بعض الأساتذة إلى البحث في أثر البيئة المصرية البحتة في العلوم والفنون الإسلامية التي ازدهرت في مصر.
وأكبر الظن أن وادي النيل كان مهد القصص الشعبية الشرقية، فإن هذه القصص اليت يحفظها القصاص، ويقبل العامة على سماعها أو قراءتها قد تم صوغها في مصر فاتخذت فيها شكلها الحالي، إن لم تكن قد نشأت فيها منذ البداية. والحق أن قصص عنتر، والظاهر بيبرس، وأبي زيد، وسيف بن ذي يزن يبدو عليها الطابع المصري، بالرغم من أن بعضها تدور حوادثه في بيئة غير مصرية.
ولا ريب في أن مصر كان لها نصيب وافر في «قصص ألف ليلة وليلة» التي نعرفها الآن، ولسنا ننكر أن هذه القصص مختلفة العناصر، وأن بعضها يرجع إلى العراق في القرن الرابع الهجري (10م)، ولكن البيئة التي تشير إليها بعض القصص المذكورة هي البيئة المصرية، فضلا عن أن مؤرخا مصريا اسمه القرطي كتب تاريخ مصر في عصر العاضد آخر خلفاء الفاطميين، أشار إلى وجود قصص ألف ليلة وليلة، وفضلا عن ذلك فإن في هذه القصص ما يشير إلى مصر في عصر المماليك.