تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وكانت مصر والشام مهد الموسوعات والمجاميع الإسلامية، فإن معظم الذين ألفوا الكتب الجامعة للموضوعات المختلفة كانوا من المصريين، أو كانوا من الشاميين في عصر اتحاد البلدين. فالنويري صاحب «نهاية الأرب في فنون الأدب» كان من رجال السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، وابن فضل الله العمري صاحب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» تولى القضاء بمصر في عصر المماليك، وأبو العباس أحمد القلقشندي صاحب «صبح الأعشى» كان أيضا من الموظفين المصريين في ذلك العصر، وجلال الدين السيوطي تولى الإفتاء بمصر وتوفي في بداية القرن العاشر الهجري (16م) بعد أن ألف الكتب والرسائل العديدة في التفسير والحديث والتاريخ والفقه وعلوم اللغة، وغيرها. والحق أن كتابة الموسوعات من أخص مميزات الحركة الأدبية بمصر في العصر المملوكي. ولا ننسى في هذه المناسبة أن بطرس البستاني اللبناني الأصل قام في العصر الحديث بكتابة دائرة المعارف المنسوبة إليه، وكانت رعاية هذا المشروع للخديوي إسماعيل الذي يرجع إليه الفضل في تشجيع البستاني من الناحيتين المادية والأدبية.

ومن العلماء المصريين الذين نبغوا في ميدان العلوم أبو كامل شجاع ابن أسلم، وعلي بن يونس، وابن الهيثم، وعلي بن النفيس. أما شجاع بن أسلم، فقد ذاع صيته في علم الجبر في بداية القرن الرابع الهجري (10م)، وكتب فيه فزاد على ما خلفه الخوارزمي في كتابه «الجبر والمقابلة». وابن يونس اشتهر بالرياضيات والفلك في العصر الفاطمي، واخترع الرقاص أو بندول الساعة الدقاقة، وكان لأرصاده الفلكية وبحوثه العلمية أثر كبير في علم الفلك. أما ابن الهيثم، فكان أكبر علماء المسلمين في الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في العصور الوسطى، ولولاه لما أتيح لعلم البصريات أن يصل إلى ما هو عليه الآن، وقد ترجم كتابه في هذا العلم إلى اللاتينية سنة 1572م، وأخذ عنه علماء أوروبا جميع معلوماتهم، ولا سيما في موضوعات انكسار الضوء، وتشريح العين، وكيفية تكوين الصور على شبكية العين.

7

وممن ازدهروا بمصر في ميدان الطب علي بن النفيس الذي كان رئيس الأطباء في مارستان قلاوون بالقاهرة، والمتوفى سنة 687ه/1288م، وقد كان فوق اشتغاله بالطب من البارزين في العلوم الدينية واللغوية والأدبية في عصره. وكتب ابن النفيس شرحا لتشريح ابن سينا وصلت إلينا نسخة مخطوطة منه، وقد ظهر من دراستها أن هذا الطبيب المصري اهتدى إلى حقيقة الدورة الدموية الصغرى «دورة الدم من البطين الأيمن في القلب إلى الرئتين ثم إلى البطين الأيسر» قبل أن يكشفها الأوربيان ميشيل سرفت

Michel Serfet

سنة 1556م، وريالدو كولومبو

Realdo Colombo

سنة 1559م، وسبقهما إلى ذلك بنحو ثلاثة قرون.

8

وكتب البيطرة نادرة في اللغة العربية، ولكن من أعظمها كتاب قدمه إلى الناصر محمد بن قلاوون طبيب كان له الإشراف على إسطبله وخيوله.

ومن المسلم به عند المشتغلين بالطب وتاريخه أن أمراض العين كانت تعالج بمصر والشام في القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (12 و13م) بأسلوب علمي يفوق كل ما كان معروفا حينئذ في سائر بلاد العالم.

ولا ريب في أن أعظم علماء الحيوان عند المسلمين هو محمد بن عيسى الدميري المصري المتوفى بالقاهرة سنة 808ه/1405م، وأحسن مؤلفاته كتاب «حياة الحيوان الكبرى»، وقد ترجم إلى الإنجليزية والتركية.

ومن خير من أنجبهم عصر المماليك أحمد بن ماجد الذي وضع الكتب والرسائل في علم البحار وتسيير السفن، وكان لمؤلفاته وخبرته فضل كبير على الملاحة البرتغالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بعد الميلاد. وقد ثبت لبعض علماء أوروبا أن فاسكو دي جاما استعان بابن ماجد في تسيير أسطوله من مالندي على ساحل إفريقيا الشرقية إلى قاليقوت في الهند.

مصر والحضارة الإسلامية · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصر والحضارة الإسلاميةص ١٣