ومن الطقوس الدينية التي كان لمصر صلة وثيقة بها إرسال المحمل إلى الحجاز، فقد قيل أن شجرة الدر هي التي ابتدعت هذه السنة، وجاء في بعض المصادر القديمة أنها ترجع إلى عصر الحجاج عامل بني أمية على العراق. ومهما يكن من الأمر فإن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس كان أول من أقام الحفلات والطقوس في هذه المناسبة، وتبعه في ذلك أمراء مصر حتى العصر الحديث. وكان الأمراء في مصر والشام والعراق واليمن يقصدون بإرسال المحمل إظهار استقلالهم وعظمتهم، وما يشملون به الأماكن المقدسة من رعاية. والمعروف أن الوهابيين حين فتحوا مكة منعوا إرسال المحمل، ولكن هزيمتهم على يد محمد علي أعادت إلى المحمل المصري مكانته. ولما أصبح ابن السعود ملكا على الحجاز لم يسمح بدخول جند مصريين يحرسون المحمل أو موسيقى تتقدم موكبه، وكان هذا الموقف سببا في منع المحمل من السفر إلى أن نجحت مصر والحجاز في السنين الأخيرة في عقد اتفاق بهذا الشأن.
وأصبحت مصر في العصر الحديث المركز الثقافي في العالم الإسلامي، ونبغ من رجالها الشيخ محمد عبده الذي يعد من أعظم الفقهاء المسلمين نفوذا في العصور الأخيرة، وإليه يرجع الفضل في إزالة العوائق التي كانت تشل حركة الإسلام، وتمنعه من التجديد على أساس تحكيم العقل، فأطلق الهمم لتعمل على التوفيق بين الإسلام والحياة الجديدة في العالم الإسلامي المتأثر بالثقافة الغربية. وكان للشيخ محمد عبده الفضل في إدخال العلوم الحديثة في الأزهر، وفي تفسير الإسلام تفسيرا جديدا، لا يقطع صلته بماضيه، ولا يقعده عن مسايرة النهضات الحديثة. والحق أن الأستاذ الإمام وتلاميذه من بعده عملوا كثيرا في هذه السبيل، وانتشر نفوذهم في العالم الإسلامي كله، فبعث فيه نهضة فكرية مباركة. ومن خير ما كتب بإيجاز في شرح مدرسة الشيخ محمد عبده ما كتبه المستشرق الإنجليزي الأستاذ جب في كتابه «وجهة الإسلام»، وإلى القارئ نبذة منه منقولة عن الترجمة العربية للأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريدة (ص48-49):
غير أن الأفكار التي تأسست عليها كلية عليكرة (الجمع بين الإسلام والرقي العلمي الحديث) أخذت تدب أيضا في نفوس أهل السنة في مصر، ولكنها هنا نزعت نزعة أعظم خطورة، وأوسع شمولا للجماعة الإسلامية في جملتها، لم تكن هذه النزعة أقل من محاولة تأويل العقائد الإسلامية من جديد، وصوغها بما يتلاءم مع الفكر الحديث، ولكن الذين قاموا بهذا لم يكونوا من العلمانيين المثقفين ثقافة أوروبية، بل قام به جماعة من الفقهاء الإخصائيين. وإذا أردنا أن نفهم الخطورة التامة لهذه الحركة ولوسائلها يجب أن نلقي نظرة عجلى على إحدى مميزات منهج علم الفقه الإسلامي، لقد رأينا أن الإسلام الأول خرج من جزيرة العرب مرنا بعض المرونة، وأنه قضى قرنين أو زهاءها عاملا على تكييف نفسه مع البيئات التي حل فيها، وعلى وضع تفاصيل علومه الفقهية، وقد بلغ هذا الأمر كماله بفضل جهود العلماء والفقهاء الذين أقر لهم الجميع بالقدرة على الاجتهاد، أو استنباط أحكام حاسمة في مسائل العقائد والأحكام، ومتى صدرت هذه الأحكام اعتبرت غير قابلة للتغيير، ثم أخذ باب الاجتهاد يضيق تدريجيا إلى أن انتهى إلى مسائل قليلة الخطر، حتى إذا ما بت في أمرها أغلق باب الاجتهاد نهائيا، ومن ذلك الحين لم يكن لعالم عند أهل السنة مهما ارتفع شأنه أن يدعي لنفسه لقب مجتهد (أما عند الشيعة، فإن النابهين من علماء الدين لا يزالون يحملون هذا اللقب حتى اليوم).
وظل أهل السنة ما يقرب من عشرة قرون يسيرون في حياتهم الدينية «بالتقليد»، أعني بمقتضى أحكام السلف المتقدمين، كانت هذه العقيدة هي موضوع الجدل بين الأحرار من فقهاء مصر الذين ذهبوا يؤكدون أن تغير ظروف الحياة، وأن النزعات الفكرية الجديدة يجعلان اطراح مجرد التقليد، وفتح باب الاجتهاد من جديد أمرا محتما، ويؤكدون أن تنافر الإسلام مع الفكر الحديث إنما يعزى إلى ما يحيط به من المذاهب الجدلية البالية للعصور المتوسطة، وأن الإسلام - على عكس ذلك - إذا فهم حق الفهم في صورته الأصلية فإنه يكون على تمام الوفاق مع نتائج البحث العلمي الممحصة، بل إنه ليكون أكثر توافقا مع تلك النتائج من أي نظام ديني آخر. وقد وجدوا زعيما عظيما في شخص الشيخ محمد عبده (المتوفى سنة 1905م) الذي يعد من أشهر الشخصيات المحترمة في تاريخ الإسلام الحديث، والذي جذبت إليه شخصيته ومواهبه طائفة كبيرة من المعجبين به، وأكسبت الحركة أتباعا كثيرين لا في مصر فحسب، ولكن في البلاد الإسلامية الأخرى.