وممن نبغوا في علوم الدين من المدرسة المصرية في فجر الإسلام عبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد. وقد انتشر مذهب الإمام مالك في مصر منذ البداية، والحق أن لوادي النيل الفضل الأكبر في انتشار هذا المذهب في إفريقية والمغرب والأندلس. وكذلك وفد الإمام الشافعي على مصر، وقويت مدرسته فيها، وأخذ عنه المصريون طريقته في المناظرات الفقهية، والكتابة العلمية، ولكنه تأثر بمصر، وكون مذهبه الجديد فيها.
2
وصفوة القول أن مصر مهد المذهب الشافعي، وأن من المصريين أعظم رجاله.
ونلاحظ في هذه المناسبة أن تغييرا كبيرا تم في وادي النيل منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، فقد اندمج المسلمون اندماجا كليا في الأمة الإسلامية، وأصبحت الأغلبية العظمى في مصر تدين بالإسلام، كما أصبحت العربية لغة المصريين من مسيحيين ومسلمين، وتزوج العرب من بنات المصريين الذين اعتنقوا الإسلام، فهوى الحاجز الذي كان يفصل في البداية بين العرب وغير العرب.
وقد كان لمصر شأن يذكر في حياة المذهب الشيعي، وتطور تعاليمه، فلم تكن مصر حاضرة الإمبراطورية الفاطمية الشيعية فحسب، بل إن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ادعى الألوهية نتيجة للعقائد الفاطمية في أشد درجاتها غلوا، وأعلن أنصاره عبادته وتوحيده وتنزيهه، وكان على رأس هؤلاء الأنصار داع اسمه درزي، وإليه ينسب مذهب الدروز الذين يعيشون في الشام، ويعبدون الحاكم بأمر الله إلى اليوم، ويعتقدون بأنه لم يمت، وإنما اختفى وسيظهر يوما من الأيام.
3
وكذلك كان لمصر سبق مذكور في ميدان التصوف، فالمعروف أن ذا النون المصري كان من أكبر النساك في بداية التصوف، وقد عاش ذو النون في مصر وتوفي في الجيزة سنة 245ه/860م، ويعدونه من أقطاب الصوفية، بل يقال إنه أول شيخ أعلن اعتناقه العقيدة الصوفية، ومهما يكن من الأمر فإن لذي النون فضلا كبيرا في وضع كثير من التعاليم الصوفية كما نعرفها الآن، وإليه ينسب القول بأن الوجد وليس العلم هو السبيل الوحيد لمعرفة الله المعرفة الحقيقية.
وفضلا عن ذلك فإن أكبر الشعراء الصوفية هو ابن الفارض المصري (577-632ه/1181-1235م)، وقصيدته التائية الكبرى التي مطلعها:
نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي
فيا حبذا ذاك الشذا حين هبت
فيها زهاء سبعمائة وخمسين بيتا، وليست من العيون الفريدة في الأدب العربي فحسب، ولكنها ذات شأن عظيم في دراسة التصوف الإسلامي.
وممن كان لهم شأن عظيم من شعراء مصر محمد بن سعيد البوصيري المتوفى نحو 696ه/1297م، فقد نظم في مدح النبي - عليه السلام - عدة قصائد، أشهرها قصيدته المشهورة بالبردة، والتي مطلعها:
أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
وقد أتيح لهذه القصيدة أن تصيب من الذيوع والانتشار أكثر من أي قصيدة عربية أخرى، والمعروف أن الشاعر نظمها توسلا إلى الله أن يشفيه من فالج نصفي أصيب به، فرأى النبي في المنام يلقي عليه بردته فانتبه من النوم سليما معافى، وبعد أن كانت القصيدة تسمى «الكواكب الدرية في مدح خير البرية» أصبحت تعرف باسم «البردة»، وقد كان من شهرتها أن كتب لها زهاء تسعين شرحا بالعربية والفارسية والتركية والبربرية كما ترجمت إلى شتى اللغات واللهجات، ولا زالت أبياتها ترتل في الجنازات، وتكتب في التعاويذ حتى اليوم.
وقد بلغ الصوفية أوج عزهم في مصر في أيام صلاح الدين الأيوبي وخلفائه كما يشهد بذلك العدد الوافر من البيوت التي شيدت لهم، والتي تعرف باسم الخوانك (جمع خانكاه)، وعلى رأسها الخانكاه الصلاحية التي فتحها صلاح الدين «للفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة»، ورتب الأوقاف للإنفاق عليهم.
4
وقدر للجامع الأزهر الذي شيده الفاطميون أن يصبح أكبر جامعة إسلامية للعلوم الدينية العالية يفد إليها الطلاب من جميع أصقاع العالم الإسلامي، ويحملون إلي بلدانهم ما يفيدونه من الحركات العلمية في وادي النيل، والحق أن الأزهر كان له شأن عظيم جدا في المحافظة على التراث الثقافي الإسلامي، وفي إعلاء مكانة مصر بين الأمم الإسلامية.