24
يكسرون الرماح، ويتلفون بذلك أعوادها الزان ليأخذوا المهارك الفضة، ومنهم من يجعل ذلك في سراويله وعمامته وجيبه، ومنهم من يستوهب من صاحبه السيف الثمين.
وكان فيها من الرماح الطوال
25
الخطية السمر الجياد عدة؛ حملوا منها ما قدروا عليه، وبقي منها ما كسره الركابية ومن مجراهم، كانوا يبيعونه للمغازليين
26
وصناع المرادن،
27
حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم تعترضهم الدولة ولا التفتت إلى قدر ذلك ولا احتفلت به؛ وجعلته هو وغيره فداء لأموال المسلمين وحفظا لما في منازلهم.
28
كما أن مؤلف كتاب الذخائر والتحف رأى بنفسه بعض حوادث الشدة العظمى وتشهد بذلك العبارة الآتية التي نقلها عنه المقريزي:
قال: وكنت بمصر في العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة، فرأيت فيها خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي، فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر هو والخطير بن الموفق في الدين بإيجاب وجبت لها عما يستحقانه.
29
ومهما يكن من شيء فإن ما ورد في ابن ميسر والمقريزي عن كنوز المستنصر أشار إليه أكثر المشتغلين بالآثار الإسلامية في مؤلفاتهم المختلفة، ولا سيما في معرض الكلام عن ازدهار الفنون الإسلامية في عصر الفواطم.
30
وقد نقل المستشرقون إلى اللغات الأوروبية بعض ما جاء في المقريزي عن الكنوز المذكورة، فترجم كترمير
Quatremere
إلى الفرنسية جزءا منه في الفصل الي عقده للكلام عن المستنصر بالله في المذكرات الجغرافية والتاريخية التي نشرها عن مصر سنة (1811)؛
31
كما نقل الدكتور لام
Dr. Lamm
إلى الألمانية بعض ما كتبه المقريزي في وصف الكنوز البلورية والزجاجية في خزائن المستنصر.
32
وتنبه الأستاذ الروسي أنوسترانتزف
K. Inostranzew
إلى قيمة ما كتبه المقريزي، فنقله إلى الروسية وكتب معه شروح وتعليقات
K ، وذلك في بحث له عن مواكب الفاطميين وخروجهم في المواسم والأعياد،
33
وقد نشره سنة (1906)، ولكنه لم يترجم إلى إحدى اللغات الأوروبية التي نعرفها.
أما في اللغة العربية فإن بعض المؤرخين الذين خلفوا المقريزي نقلوا عنه كثيرا مما ذكره عن كنوز الفاطميين،
34
بينما أتى الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه «الفاطميون في مصر» بجزء كبير مما كتبه ابن ميسر والمقريزي في وصف كنوز الفاطميين.
وأخيرا نقل الأستاذ كاله
Dr. P. Kahle
إلى الألمانية ما كتبه المقريزي في وصف خزانة الجوهر والطيب والطرائف، ونشره في بعض شروح وتعليقات في مجلة الجمعية الشرقية الألمانية.
35
| خزائن القصر الفاطمي
يذكر المقريزي أن القصر الكبير الفاطمي كانت به عدة خزائن: منها خزانة الكتب، وخزانة البنود (الأعلام)، وخزائن السلاح، وخزائن الفرش، وخزائن الكسوات، وخزائن الخيم، وخزائن الجوهر والطيب والطرائف وغيرها، ومما لا علاقة لمحتوياته بالتحف الفنية التي ندرسها هنا؛ اللهم إلا إذا لاحظنا أن ما كان فيها من طعام أو شراب أو توابل أو عطور يدل على بحبوحة العيش في تلك الأيام.
وكان لكل خزانة من خزائن القصر عامل يدير شئونها، وصناع يشتغلون فيها إن كانت محتوياتها مما يتطلب ذلك، وفراش يقوم هو ومساعدوه بتنظيفها والسهر على سلامة محتوياتها، ولكل هؤلاء مرتب يتقاضونه من بيت المال.
وكانت هذه الخزائن قسما من حواصل الخليفة التي كانت على خمسة أنواع؛ الأول: الخزائن، والثاني: حواصل المواشي، والثالث: حواصل الغلال وشون الأتبان، والرابع: حواصل البضاعة، والخامس: الطواحين ودار الفطرة.
1
خزانة الكتب
2
أما خزانة الكتب فكانت مفخرة العصر الفاطمي، وأكبر دليل على تقدم الآداب والعلوم فيه. كان فيها أندر المؤلفات وأشهرها، وكان فيها من بعض المؤلفات نسخ كثيرة، كان الخلفاء والوزراء يحرصون على جمعها، حتى ينفردوا بالفخر ويحرموا منه المكاتب الأخرى في العالم الإسلامي، وكان بعض الكتب بخطوط المؤلفين أنفسهم؛ كالخليل بن أحمد والطبري.