تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان تجار الكتب يعرضون على موظفي مكتبة القصر أندر الكتب التي يعثرون عليها، وكانت معروضاتهم تفحص بعناية كبيرة. ويذكر المقريزي أن رجلا حمل إلى العزيز بالله نسخة من كتاب الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز أمناء المكتبة، فأخرجوا من الخزائن ما ينيف عن عشرين نسخة من تاريخ الطبري، منها نسخة بخطه، ولعله فعل ذلك لكي لا يركب الرجل متن الشطط في تقدير ثمن الكتاب. وحدث أن ذكر كتاب الجمهرة لابن دريد

3

فوجد العزيز أن في المكتبة مائة نسخة منه.

4

وكثيرا ما كان الخليفة يزور خزانة الكتب، فيجيئ راكبا، ثم يترجل ويتخذ مجلسه فوق دكة منصوبة، ويمثل بين يديه أمين الخزانة، ويأتيه بمصاحف مكتوبة بأقلام مشاهير الخطاطين، ويعرض عليهم ما يقترح شراءه من الكتب، أو ما يريد الخليفة حمله لقراءته في مجلسه الخاص.

5

وكان في خزانة الكتب مخطوطات محلاة بالذهب والفضة، وربما كان بعضها مزينا بالصور والرسومات الدقيقة، متأثرا بالصناعة الفارسية في هذا الميدان. وجمع الفاطميون في خزانتهم نماذج عديدة من كتابة مشاهير الخطاطين؛ كابن مقلة،

6

وابن البواب،

7

وغيرهما.

8

ويقال: إن خزانة الكتب الفاطمية كان فيها أربعون قسما: منها قسم فيه ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة، وكان كل قسم يحتوي على رفوف عديدة مقطعة بحواجز، وعلى كل جانب باب مقفل بمفصلات وقفل، وبلغت جملة ما في الخزانة من الكتب نحو مليون وستمائة ألف - وقيل: مليونين - في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ وسير الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء.

9

وكان أكثر المخطوطات المذكورة في جلود جميلة النقوش بديعة الصناعة، نسج المماليك على منوالها في صناعة التجليد في عصرهم، وأخذ الغربيون عنهم في العصور الوسطى كثيرا من أساليبهم في هذا الميدان.

10

وقد استولى الجند والأمراء على نفائس ما في خزانة الكتب، فتفرقت أكثر محتوياتها، وكان بعض العبيد والإماء يتخذون من جلودها أمدسة يلبسونها في أرجلهم، كما كانوا يحرقون ورقها قائلين: إن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم. وأهمل من الكتب عدد كبير سفت عليه الرياح التراب، فصار تلالا كانت باقية في زمن المقريزي وكانت تسمى تلال الكتب.

11

وبالرغم من ذلك كله فقد بقي في خزائن القصر الداخلية كتب لم تصل إليها يد العبث في أيام الشدة العظمى، واستطاع الفاطميون بعد تلك الأيام العجاف أن يعوضوا بعض ما فقدوه فيها، وأن يكون له خزانة كتب عظيمة بيعت عندما استولى صلاح الدين الأيوبي على قصر العاضد آخر الخلفاء الفاطميين.

12

ونقل المقريزي عن ابن أبي طي في هذه المناسبة أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقصر في القاهرة، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري.

13

ومهما يكن من شيء؛ فإن خزانة الكتب الفاطمية ذاع صيتها في العالم الإسلامي، وتشهد بذلك حكاية رواها أسامة بن منقذ عن أبيه، وفيها: أن قاضيا سافر إلى مصر في أيام الحاكم بأمر الله، فأحسن إليه وأكرمه ووصله بصلات سنية، فطلب القاضي إلى الخليفة الفاطمي أن يعفيه منها، وسأله أن يجعل صلته كتبا يختارها من خزانة الكتب الفاطمية، فأجابه الخليفة إلى ما أراد، وحمل القاضي الكتب معه في مركب إلى ساحل الشام، فتغير عليه الهواء فرمى بالمركب إلى مدينة اللاذقية وفيها الروم، فخاف على نفسه وعلى ما معه من الكتب، فكتب إلى جد أسامة بن منقذ كتابا يقول فيه: قد حصلت بمدينة اللاذقية بين الروم ومعي كتب الإسلام، وقد وقعت لك رخيصا فهل أجدك حريصا؟ فبعث إليه بمن قام بحراسته وحمل ما معه.

14

وليس غريبا أن يجتمع للفاطميين مثل هذه المكتبة العظيمة، فقد كانوا يعتمدون على الدعاوة والمخطوطات في نشر مذهبهم، وإذا صح ما ذكره ابن الأثير فإن عميدهم عبيد الله المهدي كانت عنده كتب ملاحم لآبائه، وكان يحملها في متاعه عند مسيره إلى سجلماسه، وحدث أن لحق به لصوص عند موضع يقال له: الطاحونة وسرقوا منه الكتب المذكورة، فحزن لضياعها أكثر من حزنه لفقد سائر ما أخذوه من حاجياته؛ ولكن الظاهر أن أبا القاسم بن المهدي استطاع أن يستعيد هذه الكتب وهو في طريقه لغزو الديار المصرية سنة (300ه/912م).

الكنوز الفاطمية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ١٠