11
بالذهب أرسلت من العراق على يد البساسيري، وإنما جاء ذكرها في معرض التحف التي نهبت من خزانات المستنصر. وأكبر الظن أن الدكتور حسن إبراهيم إن كان لم يعن بتحقيق هذه المسألة؛ فإنما ذلك لأنها تكاد تكون ثانوية بالنسبة إلى التاريخ الإسلامي على الرغم من خطر شأنها للمشتغلين بالفنون والآثار الإسلامية.
أما تقي الدين المقريزي فقد ولد بالقاهرة سنة (766ه/1364م)، واشتغل بالقضاء فيها، وصار إماما لجامع الحاكم، وتنقل في وظائف كثيرة في القاهرة وفي دمشق، ثم انقطع للكتابة والتأليف حتى توفي سنة (845ه/1442م).
وأهم ما وصل إلينا من مؤلفاته كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، والغرض من تأليفه كما ذكر المؤلف في مقدمته، إنما هو «جمع ما تفرق من أخبار أرض مصر وأحوال سكانها.» وقد جمع المقريزي تلك الحقائق التاريخية في فصول وأبواب عقدها للكلام عن خطط مصر وآثارها، فوصفها وأتى في هذه المناسبة على ذكر تاريخها، والذين أسسوها أو زادوا فيها، ناسجا في ذلك على طريقة مؤرخي العرب في الخروج من موضوعاتهم الرئيسية، والاستطراد والتبسط فيما له بها علاقة، وفي الذي قد لا يرتبط بها إلا بأوهى الروابط.
12
ومهما يكن من شيء فقد جاء كتاب الخطط دائرة معارف عامة في تاريخ مصر وجغرافيتها، وفي المدنيات التي قامت في وادي النيل، وفي بعض العلوم الدينية والاجتماعية والفلسفية التي ازدهرت في العالم الإسلامي.
وقد أتيح للأستاذ فييت في الأجزاء التي طبعها من المقريزي في منشورات المجمع العلمي الفرنسي بالقاهرة،
13
وفي المقالات المختلفة التي كتبها في شتى المجلات العلمية أن يدرس المصادر التي اعتمد عليها المقريزي في تأليفه وعلاقته بمن سبق من المؤرخين كالكندي
14
وابن ميسر.
15
ولكن الذي يعنينا هنا بنوع خاص هو أن المقريزي نقل في كتاب الخطط مقتطفات كثيرة عن كتاب اسمه «كتاب الذخائر والتحف»، وأخطرها شأنا للمشتغلين بدراسة الآثار والفنون الإسلامية، إنما هو التحف الفنية التي غصت بها قصور الخلفاء الفاطميين.
وقد ذكر المقريزي في الخطط مؤلف كتاب الذخائر والتحف نحو خمس عشرة مرة؛ ولكن اسم هذا المؤلف غير معروف لنا حتى الآن، غير أننا نرجح أنه كان معاصرا للشدة العظمى، وأنه لقي بعض من شاهد بعيني رأسه ما حل بجزء من تلك الكنوز النفيسة، ومما يؤيد ذلك العبارة الآتية وقد نقلها المقريزي عن الكتاب المذكور: «قال في كتاب الذخائر والتحف: وحدثني من أثق به قال: كنت بالقاهرة يوما من شهور سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد استفحل أمر المارقين وقويت شوكتهم، وامتدت أيديهم إلى أخذ الذخائر المصونة في قصر السلطان بغير أمره، فرأيت وقد دخل من باب الديلم
16
ابن سبكتكين، وأمير العرب ابن كيغلغ، والأعز بن سنان، وعدة من الأمراء أصحابهم البغداديين وغيرهم. وصاروا في الإيوان الصغير؛ فوقفوا عند ديوان الشام لكثرة عددهم وجماعتهم، وكان معهم أحد الفراشين والمستخدمين برسم القصور المعمورة، فدخلوا إلى حيث كان الديوان النظري في الإيوان المذكور، وصحبتهم فعلة، وانتهوا إلى حائط مجير؛ فأمروا الفعلة بكشف الجير عنه، فظهرت حنية باب مسدود؛ فأمروا بهدمه، فتوصلوا به إلى خزانة ذكر أنها عزيزية من أيام العزيز بالله؛ فوجدوا فيها من السلاح ما يروق للناظر، ومن الرماح العزيزية المطلية أسنتها بالذهب ذات مهارك
17
فضة مجراة بسواد ممسوح وفضة بياض ثقيلة الوزن عدة رزم، أعوادها من الزان الجيد، ومن السيوف المجوهرة النصول، ومن النشاب الخلنجي
18
وغيره، ومن الدرق اللمطي،
19
والجحف
20
التيني، وغير ذلك، ومن الدروع المكلل سلاح بعضها، والمحلى بعضها بالفضة المركبة عليه، ومن التجافيف
21
والجواشن
22
والكزاغندات
23
الملبسة ديباجا، المكوكبة بكواكب فضة وغير ذلك، مما ذكر أن قيمته تزيد على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك بعد صلاة المغرب، ولقد شاهدت بعض حواشيهم وركابياتهم