في مدينة فلورنسة ويظن أنه من العصر الفاطمي.
477
كما أننا سمعنا أن في كنوز الفاتيكان قنينة من البلور الصخري كروية الشكل، ومركبة في حلية ذهبية، زخارفها مشبكة، وتشبه ما نراه على سائر الأقارط والخواتم والأسورة، التي يظن أنها ترجع إلى العصر الفاطمي، ومن ثم فقد اتجه الظن إلى أن هذه الحلية قد تكون أيضا من العصر الفاطمي؛ ولكننا نرجح أنها ليست من الصناعة الإسلامية؛ لأننا نلاحظ أن الأوروبيين هم الذين اعتادوا تركيب البلور على قواعد وحليات من المعادن النفيسة، ومهما يكن من شيء فإننا لم نر هذه التحفة بعد، ولا يمكن أن يكون لنا فيها رأي جازم.
بقي أن نشير إلى علبتين من العاج؛ إحداهما في كاتدرائية مدينة باييه
Bayeux
بفرنسا، والأخرى في كاتدرائية مدينة كوار
Coire
بسويسرا.
أما العلبة الأولى فمستطيلة الشكل، طولها 42 وعرضها 27 سنتيمترا، وغطاؤها مستو، وتقوم على أربعة أرجل، وفيها مفصلات وتصليبات وأركان وأشرطة من الفضة المذهبة، محفور فيها زخارف من طيور وطواويس، كل اثنين منها متواجهان، وعلى صفيحة القفل كتابة بالخط الكوفي نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم، بركة كاملة ونعمة شاملة.»
478
وأكبر الظن أن هذه العلبة جلبت من الشرق في القرن السادس أو السابع الهجري (الثاني عشر أو الثالث عشر)، والأدوات الفضية المذهبة والمركبة فيها تحملنا على القول بأن له علاقة وثيقة بالفن الفاطمي، ومن المحتمل أنها من صناعة صقلية كما ظن لونجيرييه
Longperier
وميجون وغيرهما.
479
والعلبة المحفوظة في كاتدرائية كوار تشبه العلبة السابقة، ولكنها أصغر منها حجما، فضلا عن أن زخارف الأدوات الفضية المركبة فيها مكونة من فروع نباتية وحيوانات متخيلة.
والواقع أن هناك علبا أخرى صغيرة من العاج، محفوظة في كنوز بعض الكنائس الأوروبية، وعليها أدوات فضية وتصليبات ومفصلات فيها زخارف إسلامية لا يمكن تحديد الإقليم الذي صنعت فيه؛ فبعضها يمكن نسبته إلى إيران والعراق، وبعضها إلى مصر وصقلية والبقية إلى بلاد الأندلس، أما التاريخ الذي صنعت فيه فيتراوح بين القرن الخامس والسابع الهجريين (الحادي عشر والثالث عشر بعد الميلاد).
480
ولا يفوتنا قبل الانتهاء من الكلام عن صناعة المعادن في العصر الفاطمي أن نشير إلى تنور من النحاس محفوظ في المسجد الجامع بالقيروان، وفي أسفله شريط من الكتابة بالخط الكوفي البسيط ونصها: «عمل محمد بن علي القيسي الصفار للمعز أبي تميم.»
481
فهي إذن باسم الأمير المعز من بني زيري، وقد حكم من سنة 406 إلى سنة 453ه (1015-1061م) في إفريقية، التي ترك الفاطميون إدارة شئونها لأسرته، حين رحلوا إلى مصر، فكانت هذه الأسرة تابعة للدولة الفاطمية إلى حد ما، حتى شقت عليها عصا الطاعة وقطعت كل صلة بها على يد المعز بن باديس نفسه سنة (443ه/1054)، فبعث إليهم اليازوري بني هلال وبني سليم، عاثوا في أرضهم فسادا وانتقموا للدولة الفاطمية أشد انتقام.
الأسلحة
إذا تذكرنا ما كتبه المؤرخون - ولا سيما المقريزي - عن خزانة السلاح عند الفاطميين، وما كان فيها من الزرد والدروع والحراب والسيوف وغير ذلك من الأسلحة المصنوعة من الصلب، والذي كان بعضها مرصعا بالأحجار النفيسة، نقول: إذا تذكرنا هذا كله حسبنا أن الذي بقي حتى العصر الحاضر لا بد أن يكون كافيا لكتابة نبذة وافية عن أسرار هذه الصناعة وأساليبها الفنية.
ولكن الواقع أن أقدم الأسلحة الإسلامية المصرية التي وصلت إلينا، إنما يرجع إلى عصر المماليك، على الرغم من أننا نعرف أن صناعة الأسلحة كانت سوقها نافقة في وادي النيل إبان العصر الطولوني،
482
ثم في العصر الفاطمي، وعلى الرغم من أن المؤرخين يذكرون سوقا للسلاح كان قائما بين القصرين في القاهرة إبان القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، والمعقول أنه قديم في ذلك الحي وأنه قام فيه منذ بداية العصر الفاطمي.