تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أننا نعتقد أن مصر الفاطمية لم تكن لها القيادة في صناعة السلاح، وأن جزءا كبيرا جدا من الأسلحة التي كانت تضمنها خزائن الفاطميين كان يجلب من الخارج. (11) العنصر الخطي في الزخارف الفاطمية

أفسح الفن الإسلامي للكتابة مكانا عظيما بين عناصره الزخرفية، ولا غرو فإن كراهية النحت والتصوير دفعت المسلمين إلى التفنن في الزخارف النباتية والهندسية والخطية، فكان لهم في كل منها شأو بعيد وخصب عجيب وقدرة لا تجارى.

والحروف العربية فيها من المرونة وجلال المنظر ما يجعلها صالحة للتزيين والزخرفة؛ ولكنها على الرغم من أناقة شكلها تجعل مهمة الفنان صعبة، إذ أراد أن يحقق المثل الأعلى للزخرفة الإسلامية بتوزيع الرسوم توزيعا مناسبا على كل أجزاء السطح المراد زخرفته؛ وذلك لأن سيقان الحروف العمودية - كالألف واللام - تحصر بينها مسافات تظل خالية.

وقد كان الخط الكوفي حتى القرن الثالث الهجري لا يقصد به أي تجميل أو زخرفة؛ ولكن الفنانين في نهاية القرن الرابع تنبهوا إلى استغلال الكتابة للأغراض الزخرفية، فتطور الخط الكوفي من مظهره البسيط وأخذ في الرشاقة والانسجام، وعمد الفنانون إلى المسافات الخالية بين سيقان الحروف فزينوها بالفروع النباتية المتشابكة، وإلى أطراف السيقان فزخرفوها بالوريدات، أو جعلوا نهايتها العليا تشبه قط القلم البوص حين يقطع رأسه عرضا في بريه.

ولسنا نريد أن ندرس هنا تطور الكتابة الكوفية منذ نشأتها حتى القرن السادس، حين قامت الدولة الأيوبية، وقضت على آثار الفاطميين وعقائدهم ونصرت الخط النسخي، حتى كاد الكوفي أن يختفي لولا أن الفنانين في العصور التالية أحسوا بحاجتهم إليه في الزينة والزخرفة، فاحتفظوا به لهذين الغرضين. نقول: لا نريد أن ندرس ذلك التطور؛ لأن مثل هذا الدرس يخرج عن نطاق البحث الذي نحن بصدده، فضلا عن أن المواد اللازمة لهذا الدرس لم تجمع كلها بعد.

وفي الحق أننا إذا استثنينا ما كتبه فلوري

Flury

عن الكتابات الكوفية في آمد (ديار بكر)،

483

وعن زخارف الجامع الأزهر وجامع الحاكم،

484

وما كتبه الأستاذ فييت عن شواهد القبور المحفوظة في دار الآثار العربية،

485

وما ضمنه الأستاذ مرسيه كتابه عن الفن الإسلامي من حديث عن الزخارف الفنية الفاطمية في إفريقية،

486

إذا استثنينا ذلك وجدنا أن الذي كتب عن الخط الكوفي قليل، ولا يكفي لأن يكون أساس دراسات تفصيلية دقيقة.

487

فالذي نريده هنا هو أن ننبه إلى جمال الزخارف الخطية الفاطمية وتنوعها؛ فتارة نرى سيقان الحروف تطول، وأواخر الكلمات تخرج منها فروع نباتية تميل إلى اليمين وتشتق منها فروع أخرى تنتهي برسوم وريقات وزهور؛ وتارة نرى الزخارف تزداد تطورا فتخرج الفروع النباتية من جسم الحرف نفسه، ثم تتشعب راسمة من الوريقات والزهور ما يكسو كل فراغ بين الحروف، ويملأ الأرضية فتبدو كأنها بساط من النقوش النباتية الجميلة، بل إننا نرى في بعض الأحيان زخارف في الأبنية من سطحين متباينين: فالأرضية تكسوها رسوم دقيقة من الزهور والفروع النباتية والكتابة الكوفية تقوم بينها منقوشة نقشا وافر البروز.

على أننا نلاحظ أيضا أن الزخرفة بالخط الكوفي تطورت في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، فرجعت القهقري واختفت الرسوم التي كانت تزين سيقان الحروف العمودية، واتصلت بعض الحروف ببعضها حتى أصبحت القراءة عسيرة؛ وكان ذلك كله فاتحة لسيادة الخط النسخي.

وطبيعي أن يختلف طراز الحروف في الخط الكوفي المشجر أو المزهر

coufique fleuri

باختلاف المادة، فهو على الخزف غيره على النسيج، كما أنه على الجص أقرب ما يكون إلى الرشاقة وتناسب الأقسام. وقد جئنا في لوحات هذا الكتاب ببعض تحف عليها كتابات بالخط الكوفي البسيط أو الكوفي المزهر، ونضيف الآن رسوم بعض كتابات أخرى؛ فالشكل رقم

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٨١