تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن ننكر أن الفن الفارسي كان له تأثير يذكر في الأساليب الفنية الفاطمية، ليس في سبك المعادن وزخرفتها فحسب؛ بل في غير ذلك من ميادين الفن والصناعة، نقول: إننا لا يسعنا - رغم ذلك - أن ننسى أن المسلمين في وادي النيل أخذوا بطبيعة الحال شيئا كثيرا من أسرار هذه الصناعة عن الأقباط، ولا غرو فقد كانت تقاليدها ثابتة في مصر منذ عصر الفراعنة، ونظرة إلى ما في المتحف المصري من الطرف والأدوات والأواني والحلي قمينة بإثبات ما نقول.

كما أننا لا نملك أن ننتقل إلى كلام عن المينا والحلي، قبل أن نشير إلى الطرف المعدنية الموجودة في المتحف القبطي بمصر القديمة؛ فإن كثيرا منها يرجع إلى أيام الفواطم. وسواء أكان من صناعة فنانين مسيحيين، أو مسلمين، فهو دليل ازدهار هذه الصناعة في عصرهم، فضلا عن أن التحف القبطية العادية قل أن تختلف عن التحف الإسلامية، إلا في إضافة صليب أو نص قبطي إلى زخرفتها. ومن تلك التحف صينية وأطباق من النحاس، عليها رسوم أسماك ونصوص قبطية، كما نقش عليها اسم صاحبها وتاريخها، وقد وجدت في خرائب كنائس الفيوم وترجع إلى القرن العاشر الميلادي،

466

ومنها قدران من نحاس، ومباخر، وقبة ترتكز على أربعة أعمدة، على كل منها صليب مفرغ، وعلى دائرة القبة والصلبان نصوص قبطية باسم الصانع، والتاريخ (في القرن العاشر الميلادي).

467

بقي أن نذكر أن المسلمين لم يبرعوا في زخرفة البرنز والنحاس بالرسوم المحفورة أو البارزة فحسب؛ بل نبغوا في تكفيتهما (تطعيمهما) بالذهب والفضة، على أن العصر الذهبي لفن تكفيت المعادن يمتد من نهاية القرن السادس (الثاني عشر) حتى القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، فهو لا يدخل في نطاق بحثنا هنا، وحسبنا أن نذكر أن التحف المعدنية الممتازة التي تكون طريقة الزخرفة فيها مقصورة على الحفر، يرجح أنها صنعت قبل العصر الذهبي السالف الذكر، أو بعده.

المينا

المعروف أن زخرفة المعادن بالمينا تكون على طريقتين:

الأولى:

طريقة تركيب المينا ذات الفصوص

émail eloisonné ، وفيها نصب المينا في حواجز رقيقة ذهبية تلصق على المعدن.

الثانية:

طريقة الحفر

champlevé

وفيها توضع المينا في تجاويف حفرت خصيصا لها على صحيفة من المعدن، ثم تسوى التحفة في النار فتثبت بالمينا.

468

وهذه الطريقة الأخيرة خلفت الأولى في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)؛ لأنها تحتاج إلى تعب ومهارة أقل، وتوفر كثيرا من الجهود التي كان يبذلها الصناع في طريقة تركيب المينا ذات الفصوص.

ومهما يكن من أمر فإن الباحثين يظنون أن الشرق وبيزنطة هما مهد صناعة المينا ذات الفصوص، كما يظهر من نخبة من التحف المحفوظة في المتاحف الأوروبية.

469

وقد جاء في وصف الكنوز الفاطمية ذكر كثير من التحف واللوحات الذهبية المزخرفة بالمينا المتعددة الألوان؛ ولكن الواقع أن شيئا كثيرا لم يصل إلينا منها، ولعل أهم الطرف المعروفة من هذا النوع قرص صغير مستدير من الذهب عثر عليه في أطلال الفسطاط ومحفوظ الآن في دار الآثار العربية، وجهه مقعر ومغطى بالمينا ومقسم إلى ثلاثة أقسام؛ في الأوسط كتابة كوفية بيضاء مزخرفة باللون الأحمر على أرضية سنجابية، ونصها: «الله خير حافظا»،

470

وبالقسمين الأعلى والأسفل زخرفة حمراء محدودة بالذهب على أرضية خضراء، وأكبر الظن أن هذه التحفة ترجع إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)

471 (الشكل رقم

1 ).

وهناك قطع أخرى صغيرة في دار الآثار العربية عليها زخارف بالمينا ذات الفصوص «الممنطقة بالذهب»، كما يسمونها في سجل الدار؛ أي: المصبوبة في حواجز رقيقة من الذهب.

فقد اشترى متحفنا سنة (1930) قطعة صغيرة من الذهب على شكل هلال (رقم السجل 9455)، وفيها بالمينا رسم طائرين (الشكل رقم

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٧٨