427
أو كصنبور لإبريق أو إناء، ولكن الظاهر أن التماثيل الفاطمية كان الغرض منها زخرفيا قبل كل شيء، اللهم إلا حين نرى إناء صنع على شكل طائر أو حيوان، يذكر بما كان معروفا في إيران وما وراء النهرين في نهاية العصر الساساني، وفي فجر الإسلام، وما عرف في الغرب، إبان العصر الفاطمي، باسم أكوامانيل
428
كما ذكرنا في القسم الأول من هذا الكتاب.
429
ومهما يكن من أمر، فإن أشهر التماثيل الفاطمية المعروفة عقاب البرنز الموجود الآن فوق إحدى أروقة الكامبو سانتو (المقبرة أو الجبانة) بمدينة بيزا في إيطاليا، وارتفاعه 105 وطوله 85 سنتيمترا. ويزعمون أنه جلب من مصر إلى شبه الجزيرة الإيطالية على يد عموري ملك بيت المقدس بين سنتي (559-569ه/1162-1173 ميلادية)؛ كما يظنون أنه كان جزءا من فوارة مائية، وعنق هذا العقاب وجناحاه مغطاة بريش على شكل قشور السمك، وجسمه مغطى بزخارف محفورة فيه، يتجلى فيها ميل الفنانين المسلمين إلى تغطية المساحات، وهربهم من تركها بدون زينة أو زخرفة؛
430
كما يتجلى فيها خصب زخارفهم، النباتية منها والهندسية والخطية، فضلا عن رسوم الطيور والحيوانات؛ حتى إن بدن هذا الطائر الجارح يبدو كأن عليه ثوبا من الزخارف قد حبك عليه حبكا بديعا،
431
وهذا الطائر كغيره من الحيوانات والطيور المصنوعة من البرنز في العصر الفاطمي لا يمثل الطبيعة الحية، على الرغم من أن الفنان نجح في إكسابه شكلا وهيئة، فيهما قسط وافر من الحركة والحياة والخيلاء والثقة بالنفس، فإن له جسم أسد ورأس نسر أو عقاب كما أن له جناحين، ونرى فوق أوراكه مساحات محجوزة على شكل الكمثرى، ومحفور عليها رسم صقور وسباع، محوطة بخطوط لولبية الشكل، والجامات المستديرة التي تزين ظهر هذا الطائر تنتهي في طرفها بكتابة بالخط الكوفي، لها بقية في شريط آخر يدور حول الرقبة، وعبارات الكتابة فيها مدح وإطراء وأدعية لصاحب التحفة، وليس فيها ذكر لتاريخ صنعها، ولا للمكان الذي صنعت فيه.
432
وفي دار الآثار العربية مثال من هذه الحيوانات؛ هو أسد (رقم السجل 4505) ارتفاعه 21 وطوله 20 سنتيمترا، وذنبه مجدول ينتهي بشكل رأس حيوان، وفمه مفتوح، كما أن في بطنه وفي صدره وعينيه ثقوبا، ويظن أن هذا التمثال الصغير كان من أجزاء فسقية من العصر الفاطمي.
433
وفي متاحف أوروبا أمثلة أخرى على بعضها إمضاءات صانعيها؛ ففي متحف اللوفر بباريس إناء من النوع الذي كانوا يسمونه في العصور الوسطى أكوامانيل وهو على شكل طاوس، فوق رأسه شوشة، وله مقبض مجوف، ينتهي برأس نسر يعض عنق الطاوس، ويسمح للماء - على هذا النحو - بالجري من بطنه إلى فوهته،
434
وعلى صدر هذا الطائر الجميل كتابتان؛ إحداهما لاتينية ونصها:
Opus Salomonis erat
أي: عمل سليمان،
435
وقد كان المقصود بمثل هذه العبارة في العصور الوسطى إطراء التحفة، وإظهار الإعجاب بدقة الصنعة؛ وذلك لأن سيدنا سليمان كان مثالا للحكمة.
وأما الكتابة الأخرى فعربية ونصها: «عمل عبد الملك النصراني.» وقد ادعى ميجون
Megeon
أن النص على أن الصانع كان مسيحيا لا يمكن أن يحدث في بلد إسلامي ومتعصب، واستنبط من ذلك أن هذا الطاوس صنع في صقلية.
436
ونحن لا نظن أننا في حاجة إلى التنويه بخطأ هذا الرأي، بعد ما كتبناه في القسم الأول من هذا الكتاب عن تسامح الفاطميين وتعضيدهم الفنانين ورجال الحكومة من كل جنس ودين، فمن المحتمل إذن أن تكون هذه التحفة قد صنعت في مصر في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وأن تكون الكتابة اللاتينية قد أضيفت إليها في أوروبا تقديرا لها، وإعجابا بجمالها.
ومن أدق التماثيل الفاطمية المعروفة أيل مجوف من البرنز محفوظ في المتحف البافاري بمدينة ميونخ،
437
ارتفاعه 46 وطوله 30 سنتيمترا، ومحفور على جسمه زخارف نباتية من جذوع وأوراق دقيقة ومتشابكة، وعلى بطنه من الجهتين كتابة كوفية، كان يظن أن نصها: «عمل غسان المصري»؛