والمحراب الثالث أصله من مشهد السيدة رقية،
387
وهو آية في دقة الصنعة، ولا يزال في حالة جيدة جدا، ويشبه محراب السيدة نفيسة في هيئته، ويختلف عنه في أنه مزين بالزخارف من الظهر والجانبين.
388
وحنية القبلة في هذا المحراب مكونة من حشوات سداسية الشكل، مجمعة بحيث تحصر بينها حشوة على شكل نجمة ذات ستة أطراف، وتزين كل حشوة من تلك الحشوات سيقان نباتية دقيقة فيها وريقات ذات فصوص طويلة وتحيط بحنية القبلة كتابة بالخط الكوفي المشجر تتضمن بعض آيات قرآنية.
389
وأما وجهة المحراب فمن خشب قرو ومزخرفة بحشوات من ساج هندي وخشب زيتون على شكل نجوم وأشكال هندسية أخرى كثيرة الأضلاع وغنية بما فيها من سيقان ووريقات دقيقة، ويحيط بالزخارف إطار من كتابة كوفية مشجرة، منها النص الآتي: «مما أمر بعمله الجهة الجليلة المحروسة الكبرى الآمرية
390
التي كان يقوم بأمر خدمتها القاضي أبو الحسن مكنون، ويقوم بأمر خدمتها الآن الأمير السديد عفيف الدولة أبو الحسن يمن الفائزي الصالحي
391
برسم السيدة رقية ابنة أمير المؤمنين علي.»
392
وظهر المحراب مزين بتسع حشوات كبيرة، بين رسومها تباين جميل؛ فالمعينات والأشكال النجمية مزينة بفروع نباتية قليلة الحفر، بينما الحشوات الأخرى محلاة بأوراق عنب وعناقيد عميقة الحفر.
393
ومهما يكن من شيء فإن العبارة التاريخية التي جاءت في هذا المحراب تحمل على القول بأنه صنع في حياة الخليفة الفائز ووزيره الصالح طلائع؛ أي: بين سنتي (549 و555 هجرية / 1154 و1160 ميلادية).
394
وهناك تحفة خشبية أخرى ترجع إلى نهاية حكم الفواطم في مصر، ولا تقل خطرا عن المحاريب الثلاثة التي انتهينا الآن من الحديث عنها.
فالجامع العمري بقوص فيه منبر عليه لوحة من الخشب تشتمل على العبارة الآتية مكتوبة بخط كوفي مشجر وذي حروف صغيرة:
بسم الله الرحمن الرحيم
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
أمر بعمل هذا المنبر المبارك الشريف مولانا وسيدنا الإمام الفائز بنصر الله أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المنتظرين - على يد فتاه وخليله السيد الأجل الملك الصالح ناصر الأئمة، وكاشف الغمة أمير الجيوش سيف الإسلام غياث الأنام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين عضد الله به الدين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته في سنة خمسين وخمسمائة.
395
ويشبه هذا المنبر في شكله منبر الخليل والمنبر الموجود في جامع دير سانت كاترين بطور سينا، على أن جنبيه تكسوهما زخارف من حشوات تكون أشكالا هندسية من مستطيلات ونجوم ومسدسات ممدودة مغطاة كلها بفروع نباتية ومراوح نخيلية وعناقيد عنب،
396
وفي القسم الإسلامي من متاحف برلين حشوة من هذا الطراز، حتى ليظن أنها مأخوذة من هذا المنبر.
397
وفي دار الآثار العربية باب ذو مصراعين (رقم السجل 1055) كان في جامع الملك الصالح طلائع الذي شيد في سنة (555ه/1160م)، ويشتمل كل مصراع على ثلاث حشوات مستطيلة وأفقية، بين الأولى والثانية حشوتان قائمتان وعموديتان، وبين الثانية والثالثة مثلثهما، والحشوات تزينها زخارف نباتية من سيقان ووريقات، محفورة بعمق عظيم في مثمنات ونجوم ذات ستة أطراف أو اثني عشر طرفا.
398
وقد عثرت لجنة حفظ الآثار العربية في مسجد الصالح طلائع على عدد من القطع الخشبية المنقوشة، أمكن تجميعها واستنباط شكل السقف التي كانت مستخدمة فيه.
399
وقد أمدنا المسجد المذكور بقطعة من الأثاث الفاطمي نادرة المثال، وهي واجهة خزانة (دولاب) كانت في إحدى جدرانه قبل أن تنقل إلى دار الآثار العربية (رقم السجل 672)، وتنقسم هذه التحفة إلى أربع مناطق:
الأولى:
مكونة من أربع كوات على كل منها عقد ذو فصوص وفيه زخارف نباتية.