380
أما التحف الخشبية في العصر الأخير من حكم الدولة الفاطمية، فإن أقدم ما يسترعي انتباهنا منها قطعة في دار الآثار الوطنية بدمشق (خ44)، وقد وصفها الأمير جعفر السني في الدليل الذي وضعه لمقتنيات تلك الدار، بالعبارة الآتية: «جانب سدة جامع من خشب الحور الرومي، آية في جمال الصنع وحسن الذوق مزينة بنقوش بديعة، وبمشربيات من الخشب المخروط وكتابات قرآنية مشجرة متناسقة جميلة جدا، وقد رقم في أعلاها هذه العبارة: «... بن محمد بن الحسن بن علي صفي أمير المؤمنين تقبل الله منه، وذلك في شهور سنة 497» وجدت في جامع مصلى العيدين (جامع باب المصلى) في دمشق.»
381
كذلك نجد على المنبر الخشبي في مسجد دير سانت كاترين بشبه جزيرة سينا كتابة بارزة بالخط الكوفي المشجر باسم الإمام الآمر بأحكام الله ووزيره الأفضل شاهنشاه في ربيع الأول سنة (500ه/1106م)،
382
ويشبه هذا المنبر منبر الخليل بعض الشبه ولا سيما في الهيئة؛ ولكن الزخارف أقل غنى وتطورا بالرغم من أنها أحدث من زخارف منبر الخليل.
383
وعلى كل حال فإن أكثر حشواته مستطيلة وتشتمل على فروع نباتية ووريدات ومراوح نخيلية، وهي فضلا عن ذلك مرتبة ترتيبا هندسيا يذكر بوضع اللبن والآجر في البناء.
وفي الجامع السالف الذكر كرسي من الخشب على شكل هرم مقطوع من أعلاه، ويدور حول جوانبه الأربعة شريطان من الكتابة الكوفية المشجرة باسم «الأمير الموفق المنتخب منير الدولة وفارسها أبي منصور أنوشتكين الآمري».
384
ومن أشهر التحف التي ترجع إلى الفترة الأخيرة من حكم الفاطميين في مصر المحاريب الثلاثة الخشبية المحفوظة بدار الآثار العربية؛ أقدمها كان في الجامع الأزهر، والثاني من جامع السيدة نفيسة والثالث أتى به من مشهد السيدة رقية.
أما الأول فأقلها خطرا من الناحية الفنية، وقد كان أعلاه لوح خشب منقوش عليه بالخط الكوفي المشجر العبارة الآتية:
بسم الله الرحمن الرحيم:
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ،
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
مما أمر بعمل هذا المحراب المبارك برسم الجامع الأزهر الشريف بالمعزية القاهرة مولانا وسيدنا المنصور أبي علي الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين - ابن الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين ابن الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين - وعلى آبائهم الأئمة الطاهرين بني الهداة الراشدين وسلم تسليما إلى يوم الدين في شهور سنة تسع عشرة وخمسمائة، الحمد لله وحده.
385
والمحراب مكون من قبلة من خشب الفلق، على جانبيها عمودان ينتهي كل منهما بمحمل وبقاعدة رمانية الشكل ويرتكز عليها عقد فارسي كعقود الرواق الرئيسي في الجامع الأزهر، ويحيط بالقبلة شبه إطار، في كل من جانبيه الأيمن والأيسر أربع حشوات من خشب النبق، فيها زخارف نباتية ووريقات ذات ثلاثة أو خمسة فصوص .
أما محراب السيدة نفيسة فالظاهر أنه صنع في خلافة الحافظ حين عمر مسجد السيدة نفيسة سنة (541ه/1145-1146)، وهو مكون من حشوات مجمعة ورسومات هندسية أخرى فيها زخارف نباتية دقيقة وله إطار يجري في شريط من الكتابة الكوفية التي تؤذن ببدء الخط النسخي،
386
ويجري شريط آخر حول حنية القبلة نفسها.
ولكن أهم ما يلفت النظر في هذا المحراب إنما هو دقة الزخارف النباتية فيه؛ ففي الفروع سيقان ووريقات بينها أوراق العنب وحباته مرسومة بأسلوب يمثل الطبيعة أحسن تمثيل. أما زخرفة حنية القبلة فتختلف عن زخارف سائر أجزاء المحراب، وفيها رسوم هندسية مشبكة، والوريقات في فروعها النباتية أكبر حجما، وأغنى بما فيها من مراوح نخيلية وموضوعات زخرفية من أوراق العنب وحباته.