وعلى كل حال فهي مناظر طرب أو موسيقى أو صيد أو سفر أو قتال، بينها صور طيور وحيوانات يقلد الفنان في رسمها الطبيعة بأمانة وبساطة، لم يبلغها تصوير الإنسان والحيوان في الفن الإسلامي المصري إلا في عصر الدولة الفاطمية.
فموضوعات هذه الزخارف مأخوذة إذن عن حياة الترف التي كان يقضيها الأمراء، ومناظر الصيد على أنواعها، ورسم الأمير وفي يده الكأس كل ذلك مألوف في الفن الساساني، ويذكرنا بقول أبي نواس يصف كأسا مذهبة مرقوم في أسفلها صورة كسرى، وفي جوانبها صور بقر وحشي يطارده الفرسان:
تدار علينا الكأس في عسجدية
حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها
مها تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها
وللماء ما دارت عليه القلانس
362
وقصارى القول أن أهم المناظر المنقوشة في الأخشاب التي نحن بصددها الآن هي: (1)
رسم الأمير جالسا على أريكة، وفي يده اليمنى كأس، وفي اليسرى زهرة، وعلى رأسه عمامة ضخمة، وإلى يساره الساقي يصب الخمر في كأس، وإلى يمينه تابع يقدم إليه صينية ذات غطاء، ربما كان المفروض أن تحته شيئا من الطعام أو الحلوى.
363 (2)
رسوم المطربين أو المطربات من عازفين أو عازفات على القيثارة أو العود أو القانون أو الناي أو المزمار أو النقارة.
364 (3)
مناظر رقص ليست جديدة في الفن الإسلامي فقد عرفها الفراعنة والإغريق والفرس قبل أن صورها المسلمون في قصير عمرا وفي سامرا.
365
ولم يكن الرقص وقفا على النساء؛ فإن في متحف اللوفر قطعة من العاج عليها رسم شخص يرقص، ويظهر من جبته وعمامته أنه فتى. وأكثر الراقصات أو الراقصين في الصور التي نحن بصددها هنا يقفون وقفة تشبه وقفة لاعبي الشيش، وفي يدي كل منهن أو منهم منديلان، ورقصاتهم لا تشبه في شيء «رقص البطن» الذي يتسرب إلى الذهن كلما جاء الحديث عن الرقص في الشرق؛ بل هي تذكر ببعض الرقصات التي لا تزال حية في بلاد الأندلس حتى الآن، ويرقص الرجال في كثير من بلاد الشرق الإسلامي حتى العصر الحاضر. (4)
رسوم عرض لشبه قتال بين رجلين أو لرقصة عسكرية تبدو كأنها قتال، بما يحمله كلا الرجلين من سيف ودرقة.
366 (5)
رسوم رجال تسير منفردة أو بجانب إبل عليها هودج أو أحمال من البضائع. ورجلان منهما يلبسان خوذتين وفي يد كل منهما رمح طويل، وأحدهما رابط في ظهره درقة مستديرة على النحو الذي نراه في قطعة من العاج محفوظة في دار الآثار العربية (رقم السجل 5024).
367 (6)
رسوم صيد كثيرة، ولا غرو فقد كان للصيد في العالم الإسلامي في العصور الوسطى شأن خطير،
368
ومناظر للصيد كثيرة جدا على مختلف التحف الإسلامية، ونحن نرى على هذه الألواح الفاطمية رسم الأمير يصيد بالباز، أو يصيد الأسد وهو راكب فرسه، أو يهجم عليه وهو راجل يشهر سيفه ويحتمي بترسه. (7)
رسوم طيور جارحة ومعها فريستها؛ كالأسد والغزال والبط. (8)
رسوم حيوانات خرافية أهمها أبو الهول وله جسم أسد وجناحان ورأس امرأة وتذكر هيئته بالبراق؛ مطية النبي - عليه السلام - وهناك عدا ذلك رسوم طائر له رأس امرأة. (9)
رسوم حيوانات وطيور مختلفة؛ كالباز والتيس والطاوس والأرنب.
أما اللوحان المحفوظان من هذه المجموعة في المتحف القبطي فأصلهما من دير البنات بمار جرجس؛ وعلى إحداهما مناظر طرب من رقص وموسيقى، وعلى الأخرى رسوم بارزة لأرنب وفيل وإيل وشخص يقود فرسا،
369
وأكبر الظن أن هذين اللوحين أصلهما أيضا من القصر الفاطمي الغربي.
وقد قامت لجنة حفظ الآثار العربية في سنة (1932) باستخراج بعض الأخشاب الفاطمية من سقف مارستان قلاون، وهي محفوظة الآن بدار الآثار العربية، وفي بعضها نماذج جميلة من الخط الكوفي المزهر ورسوم حيوانات عديدة؛ كالفرس والأسد والغزال والأرنب وأكثرها مرسوم في أشكال بحمية متنوعة.