352
وفي دار الآثار قطعة أخرى (رقم السجل 3553)، أصلها جزء من مصراع باب، وهي كذلك من مجموعة التحف الخشبية التي جيء بها من مارستان قلاون، وقد بقي فيها ثلاث حشوات عليها زخارف نباتية من سيقان وأوراق تحيط بموضوع زخرفي رئيسي، مكون من رأسي فرسين تتجه إحداهما إلى الجانب الأيمن للحشوة والأخرى إلى الجانب الأيسر، وبينها زخارف نباتية أخرى مفرغة بدقة وعناية.
353
وعلى أن هذه الحشوات ليست في حالة جيدة من الحفظ؛ ولكننا نستطيع أن نعرف حالتها الأولى بفضل حشوة خشبية أخرى في المتحف نفسه
354 (رقم السجل 3391)، وقد اشترتها الدار سنة (1909)، ولا يزال لهذه الحشوة جمالها الأول وتتجلى فيها الدقة والإتقان اللذين كانا رائد الصانع في نقش السيقان والزهور ورأسي الحصانين بما في كل منهما من لجام وأدوات، وهناك تحفة أخرى تشبه هذه الحشوة كل الشبه، وهي محفوظة الآن في متحف المتروبوليتان بنيويورك،
355
ويتجلى في زخرفتها انسجام وتناسق عظيمان.
وهناك مجموعة من حشوات خشبية صغيرة مخرمة، أبدعها قطعة بدار الآثار العربية (رقم السجل 5827)، وقد عثر عليها في أطلال الفسطاط، وهي تمثل أسدا يفترس أيلة في حركة، بها من العنف ودقة الرسم وقوة التعبير ما يذكرنا بمثل هذه المناظر في منتجات التحف المعدنية
356
من الفن السيتي.
وثمة قطعة أخرى من هذا النوع محفوظة في المتحف المصري (رقم السجل 45081) عثر عليها في دندرة، وتمثل فارسا يعدو على حصانه، وقد التفت إلى الخلف ليطلق سهما من قوسه.
357
وفي دار الآثار العربية ومتحف فكتوريا وألبرت بلندن مجموعة فريدة من التحف الخشبية الفاطمية، وهي أجزاء من ألواح خشبية، عثر عليها بضريح السلطان الناصر محمد بن قلاون وبمارستان قلاون في سنة (1911) والسنين التي تلتها، وكانت هذه الألواح مستخدمة في تغطية الإفريز الأعلى بالجدران، وطراز زخارفها ليست له علاقة بعصر المماليك؛ وإنما يقوم شاهدا على أنها من العصر الفاطمي؛ ولأن عليها - كما سنرى - زخارف آدمية فلا يمكننا القول بأنها أخذت من إحدى الأبنية الدينية الفاطمية، وأعيد استعمالها في أبنية السلطان قلاون وابنه السلطان الناصر؛ ولكن غنى الزخارف وإتقان الصنعة في هذه الألواح يحملان على الظن بأن مصدرها لم يكن مسكنا عاديا. ومن ثم فقد استنبط العلماء أنها كانت في القصر الغربي الفاطمي؛ وهو القصر الذي بناه الخليفة العزيز، وأتمه المستنصر وأقيم على أنقاضه بعد ذلك مارستان قلاون.
358
ولم يكن غير مألوف في ذلك الوقت أن يستخدم الأمراء والعاملون على البناء بعض أجزاء الأبنية القديمة وأخشابها في الأبنية الجديدة، وخير شاهد على ذلك ما ذكره المقريزي عن الملك الظاهر بيبرس حين «بنى خانا للسبيل بظاهر مدينة القدس، ونقل إليه باب العيد (من أبواب القصر الشرقي الفاطمي) فعمله بابا له سنة 662 هجرية.»
359
وعلى كل حال فإن عرض هذه الألواح نحو ثلاثين سنتيمترا، وفي كل منها إفريز من أعلى وإفريز من أسفل، ويشتمل هذان الإفريزان على فروع نباتية بين شريطين عاريين عن الزخرفة، وترتفع هذه الفروع وتنخفض مكونة زخرفة نباتية قوامها أقواس تحصر بينها من أسفل وريدات ذات ثلاثة فصوص، ومن أعلى شكلا مكونا من نصفي مروحتين نخيلتين (بالمت).
وبين الإفريزين عصابة رئيسية عليها مناظر من رسوم آدمية وحيوانية فوق أرضية من فروع نباتية أقل بروزا،
360
والرسوم المذكورة موضوعة في خانات تتكون - على التعاقب - من أشكال هندسية سداسية وممدودة ومن جامات رباعية الشكل،
361
ونرى في الخانات السداسية الشكل أن الرسوم منقوشة بين أقواس تتفرع أحيانا من إناء من رسمين.
وكانت هذه الرسوم مدهونة الألوان مما كان يظهر دقائقها ويزيدها وضوحا. وعلى كل حال فإن أول ما يلاحظه المشاهد المدقق أن توزيع المناظر المنقوشة روعي فيه التناظر والتقابل، فتتوسط اللوح جامة رباعية الشكل ثم تتلوها من اليمين واليسار بقية المناظر في تناسب وحسن ترتيب؛ ولكن التنوع في الموضوعات المنقوشة ليس كبيرا، ولا غرو فإن الصناع كانوا يصورون موضوعات تقليدية في الفن الإسلامي، ولم يكن لهم في ميدان الصور الآدمية ما كان لهم في الزخارف الهندسية من رغبة في التشعيب والتعقيد وقدرة على الخلق والابتكار والتنويع.