تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

344

ومهما يكن من شيء فإن دقة الحفر وإتقان الصنعة يتجليان في استيعاب الأجزاء الدقيقة في أجسام الحيوانات والطيور، وفي حسن أداء الزخارف التي تزين ملابس الفارس.

ومن الموضوعات الزخرفية التي نراها محفورة في الحشوات الأخرى رسم صراع بين أسد وإنسان،

345

ورسم سلطانية تخرج منها فروع نباتية، فوقها لبؤتان، تولي كل منهما الأخرى ظهرها، وفوق اللبؤتين طاوسان متواجهان.

346

كما نرى على حشوات أخرى رسم أسد ينقض على وعلة لافتراسها، أو رسم موسيقيين يعزفان على العود وحولهما أشخاص يرقصون رقصا توقيعيا، وقد روعي في رسم الأشخاص تقابل دقيق.

347

ومن الرسوم الغريبة المنقوشة في بعض تلك الحشوات مناظر قتال بين فارس ورجلين يهجم أحدهما عليه من خلفه والآخر من أمامه،

348

وطريقة رسم هذين الرجلين تذكر بالرسوم البارزة على المعابد المصرية القديمة وبالتماثيل الفرعونية.

ولسنا نستطيع أن نستعرض كل الموضوعات الزخرفية في الحشوات التي يتكون منها حجاب الست بربارة، فلا نملك إلا أن نحيل القارئ إلى الأبحاث التي كتبها في هذا الصدد باتريكولو ومونريه دي فيلار وبوتي ولام وغيرهم.

وحسبنا أن نختم حديثنا عن الحجاب المذكور بالتنبيه إلى الشبه بين الزخارف النباتية في أرضية هذه الحشوات، وبين بعض أنواع الزخارف الموجودة في منارتي جامع الحاكم وذات الصلة الوثيقة بالأساليب الزخرفية البيزنطية، كما أننا نلاحظ أيضا أن الرسوم الآدمية في تلك الحشوات عليها مسحة من الدقة تدل على صدق تصوير الطبيعة وعدم الخلود إلى الرسوم الخيالية المهذبة، وأن الموضوعات الزخرفية فيها تشبه ما نراه على حشوات كثيرة أخرى من العصر الفاطمي، أغلبها محفوظ في دار الآثار العربية. وأكبر الظن أن كثيرا من هذه الموضوعات الزخرفية يرجع إلى أصول كانت معروفة في الشرق الأدنى منذ الأزمان القديمة، وهضمت بيزنطة جل هذه الأصول ثم أحيتها في بلاد البحر الأبيض المتوسط.

وربما كانت حشوات هذا الحجاب أصدق مثال لتأثير الأساليب البيزنطية في الفنون الفاطمية، ولا سيما على يد الصناع من القبط؛ ولكن علينا أن نذكر في الوقت نفسه أن الأساليب الفنية الفاطمية كان لها في مواضع أخرى تأثيرات كبيرة في الفنون البيزنطية، كما يظهر من وجود تقليد الكتابة الكوفية على أحجار بيزنطية من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). على أننا لا نعني أن تأثير الفنون البيزنطية حدث حتما في العصر الإسلامي؛ إذ إننا نعرف أنه كان ملموسا في مصر قبل الفتح العربي، فضلا عن ذلك كله فإن جل العناصر الزخرفية في حجاب الست بربارة لم يكن وقفا على مصر في العصور الوسطى؛ إذ إن الأشكال الآدمية تذكر بمثيلاتها في التحف العاجية التي كانت تصنع في الأندلس؛

349

بينما نرى في الفن البيزنطي رسوم الحيوانات والطيور التي نعرف أنها تقل كثيرا منها عن الفن الساساني.

ونحن إذا عرجنا الآن على الفترة الوسطى من عصر الفاطميين في مصر - وتشمل حكم الخليفين الظاهر والمستنصر - رأينا ما يعظم به إعجابنا من نماذج لصناعة النقش من الخشب، نلاحظ فيها تطور هذا الفن إلى أقصى ما بلغه في عهد الفواطم، ونرى الأساليب الزخرفية الطولونية تقل شيئا فشيئا، وعلى كل حال فإن هذه الفترة ممثلة خير تمثيل في مجموعة دار الآثار العربية، وهي كما نعلم أغنى المجموعات الخشبية في متاحف العالم أجمع.

ففي متحفنا جزء من مصراع باب (رقم السجل 4128) لم يبق منه إلا ثلاث حشوات،

350

وهو من مجموعة التحف الخشبية التي جيء بها من مارستان قلاون، والتي يرجح أنها كانت مستعملة بالقصر الغربي في العصر الفاطمي وهو القصر الذي قام في مكانه مارستان قلاون وضريحه.

351

وعلى كل حال فإن أرضية هذه الحشوات مكونة من زخارف نباتية دقيقة، قوامها سيقان وأوراق ذات ثلاثة فصوص، أما الزخرفة الأساسية فأكبر حجما، وتتكون من سيقان وأوراق ذات فصين، وتلتف الأوراق في تماثل وتعادل، وفي وسطها غزالان متواجهان (في إحدى الحشوات) أو حمامتان متواجهتان (في الحشوتين الوسطى والسفلى)، وفي جانبيهما طائران كأنهما جزء من الزخارف النباتية التي تبرز في كل حشوة.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٦٦