ولعل أقرب التحف إلى طراز هذا الباب هي - بطبيعة الحال - التحف التي ترجع إلى العصر الذي كان يحكم فيه بنو زيري في إفريقية، تابعين للفاطميين أولا، ثم مستقلين عنهم بعد ذلك.
وأهم تلك التحف أخشاب صنعت بأمر المعز بن باديس لجامع القيروان في منتصف القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وهي المقصورة ومدخل المكتبة.
325
أما المقصورة فمن الخشب المشبك، وفيها زخارف محفورة، وفي أعلاها شريط من الكتابة الكوفية المشجرة على أرضية من الفروع النباتية،
326
ويشبه طراز هذه الكتابة طراز الكتابة المعاصرة عند الغزنونيين.
327
بينما مدخل المكتبة فيه ألواح مكونة من حشوات؛ محفور عليها زخارف نباتية، غنية ومتقنة، وفي توزيعها تناسق وتناسب على الرغم من وفرتها، وهي تكون في مجموعها أشكالا متوازية الأضلاع، موزعة توزيعا غير منظم،
328
وليست هي الأشكال الهندسية النجمية والمتعددة الأضلاع والرءوس، مما اعتدنا رؤيته في الزخارف الإسلامية بعد العصر الفاطمي، ولا سيما في تزاويق مخطوطات القرآن، وفي زخارف السقوف والجدران والأبواب والمنابر والمحاريب.
أما ما نجده من التحف الخشبية في صقلية متأثرا بالطراز الفاطمي فألواح باب في كنيسة المرتورانا
Santa Maria dell’Ammiraglio
التي شيدت في بلرمو سنة (1136) ميلادية على يد أحد أمراء البحر في خدمة الملك روجر الثاني. والمعروف أن هذه الكنيسة من الأبنية الصقلية التي يظهر في ترتيب قبابها وأساليب زخارفها تأثير الفنين الإسلامي والبيزنطي، والألواح المذكورة تتجلى فيها الأساليب الفنية التي نعرفها في أزهى عصور الفاطميين في مصر، فتمتاز بعمق الرسوم ودقة صنعتها.
329
وفضلا عن ذلك فإن سقف الكنيسة الصغيرة الموجودة في القصر الملكي بمدينة بلرمو، والتي تعرف باسم الكابلا بالاتينا
Capella Palatina ، غني بالزخارف المنقوشة ويشهد بتأثير الصناعة والأساليب الفنية الإسلامية، وبين تلك الزخارف النباتية صور طيور وحيوانات، مما تمتاز به التحف الفاطمية التي كانت تزين سقوف القصور الفاطمية وأبوابها وجدرانها؛
330
ولكننا نلاحظ أن الحيوانات المنقوشة على الحشوات الخشبية الفاطمية ليست في دقة التي نراها في سقف الكابلا بالاتينا؛ فإن الأخيرة أحدث عهدا من الأولى، ورسومها أكثر تطورا، وأصدق في تمثيل الطبيعة، وأكثر تعبيرا عن الحركة والحياة، وليس هذا غريبا إذا تذكرنا ما نراه في الفن الإسلامي عامة من نقص في هذا الميدان، يرجع إلى كراهية التصوير في الإسلام وإلى اتخاذ الفنانين المسلمين تقاليد خاصة في رسم المخلوقات الحية، دون اهتمام بمراعاة الدقة في تأمل الطبيعة، والأمانة في تصويرها؛ حتى ليمكن أن نقول: إن الفنان المسلم كان يرسم الحيوانات مجردة عن طبيعتها، ومتخذا منها رمزا لا حياة فيه ولا روح.
وإذا نحن عرجنا الآن على التحف الخشبية التي صنعت بمصر في عصر الفواطم أمكننا أن نقسم حكمهم إلى فترات؛ لنستطيع أن ندرس في وضوح وإيجاز خصائص الأساليب الفنية في كل فترة منه.
وطبيعي أن تكون الفترة الأولى عصر انتقال بين طراز الحفر الذي كان سائدا في العصرين الطولوني، والإخشيدي، وبين الطراز الذي عم في الفترة التالية. فالدعامات الخشبية تحت قبة جامع الحاكم عليها زخارف من فروع نباتية متصلة، وتكون رسوم أوراق شجر محفورة حفرا عميقا.
331
وتبدو العلاقة الوثيقة بينها وبين الطراز الطولوني في الحفر على الخشب والجص.
332
ومن التحف التي يمكن نسبتها إلى هذه الفترة باب ذو مصراعين من خشب شوح تركي، وهو محفوظ الآن بدار الآثار العربية (رقم السجل 551)، وأصله من الجامع الأزهر،
333
وفي كل مصراع منه سبع حشوات مستطيلة: الأولى والثالثة والأخيرة موضوعة وضعا أفقيا، وبين الأولى والثالثة حشوتان متجاورتان، وموضوعتان وضعا عموديا، وبين الثالثة والأخيرة الحشوتان الباقيتان، وهما عموديتان أيضا، وعلى الحشوة العليا في كلا المصراعين كتابة بالخط الكوفي؛ ولكن الواضح أن هاتين الحشوتين انقلبتا عند إعادة تركيبهما، فاختلف وضع الكتابة وانتقلت كتابة اليمين إلى الشمال، والشمال إلى اليمين فصارتا على النحو الآتي: (الحشوة اليسرى) (الحشوة اليمنى)