تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن من شيء فإن المصريين عنوا بإتقان صناعة النجارة والنقش في الخشب بالحفر منذ الأزمنة القديمة، كما تشهد بذلك التحف الخشبية المحفوظة في المتحفين المصري والقبطي، وهذا كله على الرغم من أن مصر كانت ولا تزال فقيرة في إنتاج الخشب، ولا سيما ما يصلح منه للحفر والزخرفة والأعمال التي تتطلب متانة النوع ودقة الصنعة، فالواقع أن ما في وادي النيل من الخشب كالجميز، والسنط، والنبق، والسرور، والزيتون، لا يصلح إلا لأعمال النجارة البسيطة.

فالمصريون إذن كانوا يعتمدون إلى درجة كبيرة على الأنواع الطيبة من الخشب الذي كانوا يستوردونه من الأقطار المجاورة، كالأرز والصنوبر، من أسيا الصغرى وسورية، والتك من الهند، والآبنوس من السودان، وكانت بلدان أوروبا الجنوبية من المصادر التي أمدت مصر بالخشب في العصور الوسطى.

319

وعلى كل حال فقد كان للخشب في الفسطاط أسواق عامرة منذ العصر الطولوني،

320

وأخذت الحكومة منذ قيام الدولة الفاطمية تعني بالغابات وزرع الأشجار، وحق أنها كانت ترمي بذلك إلى استخراج الخشب اللازم لمراكب الأسطول؛ ولكن جزءا كبيرا من الخشب الذي أمكن إنتاجه استخدم في صناعة الأثاث وأعمال العمارة.

321

وقد ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا عن الفن الإسلامي في مصر (ص92) أن الأخشاب ذات الزخارف المحفورة كان لها شأن خطير في تأثيث الكنائس والأبنية القبطية وتزيينها، وأن المسلمين لم يحتاجوا إلى استخدام الخشب في مساجدهم بمثل هذه الوفرة؛ فإن جل استعمالهم إياه كان في عمل السقوف، والأبواب، والمنابر، والدكك، وأشرطة الكتابة التاريخية أو الزخرفية، وفي صناعة القباب أو تقويتها، وفي ربط القوائم والأعمدة ببعضها، كما استخدموه إبان العصر الفاطمي في صناعة محاريب غير ثابتة.

وقد تحدثنا في الكتاب المذكور عن التحف الخشبية التي يرجع تاريخها إلى عصر الانتقال من الطراز القبطي إلى الطراز الإسلامي، وعن التحف الخشبية الطولونية، وتأثرها بطراز سامرا فلا محل للرجوع إلى ذلك هنا.

322

أما التحف الخشبية التي ترجع إلى عصر الفاطميين فعظيمة القيمة بنوعها، ودقة صناعتها، وجمال زخارفها، وخطر المناسبات التي صنعت فيها، أو الأبنية التي استخدمت بها.

وهي موزعة على عصر الفاطميين كله، فبينها ما يرجع إلى حكمهم في شمالي أفريقيا، وما يرجع إلى بداية حكمهم في وادي النيل، أو إلى أوج عزهم فيه، أو إلى نهاية دولتهم وبدء اضمحلالها، وبينها ما صنع في صقلية وتأثر بأساليبهم الفنية، وما ينسب إلى بني زيري، خلفائهم في شمالي أفريقيا، الذين كانوا أتباعهم فنيا، كما كانوا أتباعهم سياسيا، فترة غير قصيرة من الزمن.

أما الذي يرجع تاريخه إلى حكمهم في شمالي أفريقيا فباب في جامع سيدي عقبة على مقربة من مدينة بسكرة بالجزائر، ويظن أنه صنع بأمر الخليفة الفاطمي المنصور (334-341ه/946-953م) لضريح سيدي عقبة في جامع طبنة وهي بلدة قريبة من بسكرة،

323

وهذا الباب من خشب الأرز، وله مصراعان، في كل منهما قضيب خشبي يقسمه قسمين عدا القضيب الخشبي الذي يغطي ملتقى المصراعين، وعلى كل حال فإن إطار الباب وعتبته الفوقانية، والقضبان الخشبية الثلاثة، كلها مغطاة بزخارف محفورة من رسوم هندسية، وفروع نباتية، وخطوط منحنية على شكل حرف

S ، والناظر إلى طراز هذه الزخارف يرى لأول وهلة أن ثمة علاقة بينها وبين طراز الزخرفة العباسي، وأنها ليست غريبة عن بعض الزخارف التي ترى فوق بواطن بعض العقود بالجامع الطولوني.

324

ولا ينفي كل هذا أن زخارف هذا الباب تقوم على أساليب من الفنين الأغلبي والبيزنطي، ووجود العلاقة الوثيقة بين كل هذه الأساليب الفنية التي سادت على ضفاف البحر الأبيض المتوسط أمر مفروغ منه، ومهما يكن من شيء فإننا سنرى أن الزخارف المحفورة على الأخشاب الفاطمية تأخذ في التطور، حتى تبتعد الشقة بينها وبين زخارف الباب السالف الذكر.

الكنوز الفاطمية · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكنوز الفاطميةص ٦٣