ومهما يكن من شيء فإننا يجب أن نذكر أن جل هذه الكئوس انتقلت إلى أوروبا منذ زمن بعيد؛ فالقديسة هدويج حصلت على ما كانت تملكه منها قبل وفاتها سنة (1243)، وربما تكون قد أحضرتها معها حين زيارتها للحج في الأماكن المقدسة. (6) البلور الصخري
نقل القزويني عن أرسطو أن حجر البلور صنف من الزجاج، إلا أنه أصلب، وقال: إنه يصبغ بألوان الياقوت فيشبه الياقوت، وإن الملوك يتخذون من البلور أواني، معتقدين أن للشرب فيها فوائد.
281
وعلى كل حال فقد استخدم المسلمون البلور الصخري في عمل الكئوس والأباريق وغيرها من التحف الثمينة، وقد جاء في بعض المصادر الأدبية والتاريخية أن الخليفة الراضي بالله (322-329ه أو 933-940م) كان يجمع التحف ولا سيما ما كان منها من البلور الصخري، وأنه كان ينفق في هذا السبيل أكثر مما كان ينفقه في أي شيء آخر،
282
حتى قال الصولي: «ما رأيت عند ملك أكثر منه عند الراضي، ولا عمل ملك منه ما عمل، ولا بذل في أثمانه ما بذل، حتى اجتمع منه له ما لم يجتمع لملك قط.»
283
وقد كتب الغزولي
284
في مؤلفه «مطالع البدور في منازل السرور» عن كنوز البلور في قصور الفاطميين،
285
كما تحدث عن البلور وأنواعه وخواصه وخاصيته، وذكر أنه يوجد ببلاد العرب ويؤتى به من الصين ومن بلاد أفرنجة؛ والنوع الصيني دون النوع العربي، بينما الفرنجي جيد جدا. وأشار إلى وجوده بالمغرب الأقصى على مقربة من مراكش؛ ونقل أن تاجرا من تجار الأفرنجة أهدى إلى ملك من ملوك المغرب قبة من البلور قطعتين، يجلس فيها أربعة نفر، ورأى من البلور صورة ديك مخروطا، إذا صب فيه الشراب ظهر لونه في أظفار الديك ورءوس أجنحته، وكان هذا من صنعة بلاد الفرنجة،
286
والظاهر أن المسلمين كانوا يعتقدون أن من علق عليه شيء من البلور لم ير منام سوء قط.
287
ويروون أن الجامع الأموي بدمشق كان به في محراب الصحابة إناء من البلور، يلمع ويضيء مثل السراج ويسمى القليلة، وكان الخليفة الأمين يحب البلور، فكتب إلى صاحب الشرطة في دمشق أن ينفذ إليه القليلة، فسرقها ليلا، وبعث بها إليه، فلما قتل الأمين، رد المأمون القليلة إلى دمشق، ليشنع بها على الأمين.
288
وقد مر بنا حديث ناصر خسرو عن سوق القناديل ونضيف هنا أنه أعجب أشد الإعجاب بما شاهده من البلور الصخري فيه، وأثبت أنه كان غاية في الجمال والإبداع، وأنه كان مشغولا بأسلوب فني، على يد صناع لهم ذوق رقيق، وذكر في هذه المناسبة أن البلور كان يجلب من بلاد الغرب، حتى قبل رحلته إلى مصر بزمن وجيز، حين جيء ببعضه من إقليم البحر الأحمر، وكان هذا النوع الجديد أجمل من المغربي وأكثر منه شفافية.
289
ومن المحتمل أن جلب البلور الصخري من مصر نفسها كان سببا في انخفاض ثمنه، وإنتاج التحف الكثيرة منه حتى كان منها في كنوز الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وكبار رجال دولتهم ما مر بنا ذكره في القسم الأول من هذا الكتاب، وما نقرأ من أخباره في كتاب المستطرف للأبشيهي وكتاب مطالع البدور للغزولي.
وليس في دار الآثار العربية نماذج خطيرة الشأن من التحف المصنوعة من البلور الصخري، فإن أكثرها محفوظ الآن في كنائس الغرب ومتاحفه، ولعل السر في الحرص عليه وبقائه حتى الآن أن البلور الصخري كان يعتبر رمزا للنقاء الروحي؛ نظرا لشفافيته ونقاوته، فكان الغربيون يحفظون فيه بعض المخلفات المقدسة التي كانوا شديدي التعلق بها في العصور الوسطى.
وتشتمل مجموعة المسيو رالف هراري على بعض قطع من البلور الصخري، ولكن ليست لها شهرة القطع المعروفة في المتاحف والكنائس،
290
على الرغم من أن فيها قنينات صغيرة غاية في الدقة والجمال.
291
وليس تحديد التاريخ الذي ترجع إليه التحف المصنوعة من البلور الصخري أمرا عسيرا؛ فبعض تلك التحف يرجع إلى ما قبل العصر الفاطمي، وقد يكون من مصر في العصر البيزنطي أو من بيزنطه، أو من إيران، أو من العراق، أو من مصر في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)،